ذبول الورد
24-May-2009, 05:31 PM
الأمومة وظيفة أرقى
في السنوات الأولى من عمر الإنسان تتشكل ملامح شخصيته ، و تنغرس بذور صفاتها الأساسية ، لذلك يسميها خبراء التربية بالسنوات التأسيسية ، وفي تلك السنوات لا أحد أقرب إلى الطفل و أشد التصاقاً به من الأم ، و بذلك تكون هي الجهة الأكثر تأثيراً في تشكيل شخصيته و صناعتها .
و يتيح لها الارتباط العضوي والنفسي بينها و بين الطفل أكبر فرصة للتأثير ، فهو في الأساس جزء منها ، تكّون في أحشائها ، و تغذّى من دمها ، ثم ينشأ في حضنها ، و ينمو جسمه من لبنها ، فمن الطبيعي أن تتعلق به ، و أن ينشدّ إليها ، هذه العلقة الخاصة ، والانشداد الوثيق ، هي التي تجعل بيد الأم أدوات الرسم والتشكيل لشخصية الولد .
و لا تستطيع أي جهة أخرى أن تأخذ نفس مكانة الأم و تأثيرها ، حتى و إن مارست وظائف الأم العملية ، كالإرضاع والحضانة . لأنها لا تملك آليات التفاعل والارتباط النفسي والعاطفي الموجود لدى الأم ، بل يمكن القول إن هناك برمجة غريزية ، أودعها الخالق جلّ وعلا للاستجابة والتفاعل بين الأم و وليدها ، ليس في عالم الإنسان فقط ، بل في عوالم سائر الحيوانات أيضاً ، فحتى عند الثدييات الدنيا مثلاً يبدأ التعلق مباشرة بعد الولادة ، فالصغير يتعرف على أمه و يبقى إلى جانبها دون غيرها ، والأم بدورها ترعى و تغذي و تحمي وليدها دون غيره .
لقد حاولت بعض النظريات في مجالات التربية و علم النفس ، أن تقصر تفسير ظاهرة التعلق والانشداد ، بين الطفل والأم ، على أساس تلبية الأم للحاجات البيولوجية للطفل ، حيث توفر له متطلباته الأساسية . لكن هذه النظريات لم تصمد أمام النقد العلمي ، والملاحظة التجريبية ، و يرى “بولبي” ومجموعة من العلماء المتخصصين : أن هذه النظريات ليست مقنعة في تفسيرها لظاهرة التعلّق عند الإنسان ، و يستند “بولبي” إلى نتائج البحوث والدراسات ، التي تبين أن التعلق يمكن أن ينمو و يتطور تجاه أفراد غير معنيين بالعناية الجسدية للطفل و تطور العلاقة بين الأم والطفل يتجاوز تلبية الحاجات البيولوجية .
و يعتمد إلى حد كبير على طبيعة التفاعل بين الجانبين ، فإرضاء حاجات الطفل الأساسية عملية ضرورية ، و لكنها غير كافية لنمو التعلق بين الأم والطفل ، و غالباً مايكون إرضاء هذه الحاجات فرصة للتفاعل المتبادل بكل أشكاله . فعندما ترضع الأم طفلها ، تشعره بحرارة جسدها ، و بحنو لمساتها ، و برقة عباراتها و مناغاتها ، و يظهر الطفل بدوره علامات الرضى و الارتياح ، مما يشجعها على الاستمرار في التفاعل معه .
الإشباع العاطفي :
أصبح من الواضح علمياً كما هو ملحوظ وجدانياً ، مدى حاجة الطفل إلى الحنان والعطف الذي تفيضه عليه الأم ، بشكل خاص ، والذي لا يعوضّ عنه أي بديل ، و إن توفير الاحتياجات الجسدية للطفل ، لا يمكن أن يغنيه عن حب أمه و حنانها ، ذلك الحب والحنان المميّز الذي لا يصطنع و لا يستبدل .
حتى أن أبحاثاً علمية حديثة تشير إلى خطأ دارج من قبل المستشفيات التي يتم فيها التوليد بإشراف طبي ، حيث يفصل الصغير عن الأم مباشرة بعد الولادة ، لأسباب العناية الصحية ، لكن نتائج هذه الأبحاث تخلص إلى القول : بوجوب وضع الوليد على تماس حسّي مع الأم بعد الولادة مباشرة ، و ذلك لأهمية هذه اللحظات في العلاقات اللاحقة بين الطفل والأم ، و أهمية توفير الفرصة للأم لرؤية الطفل و ملامسته بعد الولادة مباشرة ، فهي في أشد الحاجة لتحسه و تتلمسه و تشمه ، لذا يجب المزيد من الحذر قبل التفكير بفصل الطفل عن الأم بعد الولادة مباشرة .
إن الطفل يحتاج إلى الغذاء ، و يمكن توفير حاجته الغذائية من أي مصدر ، لكن أي تغذية للطفل ، لا يمكن أن تكون بمستوى لبن الأم ، لا من حيث القيمة الغذائية فقط ، بل لما يوفره من فرصة للإشباع العاطفي ، و لإفاضة الحنان والحب على المولود ، إضافة إلى ماتشعر به الأم من سعادة و سرور .
لذلك ورد في الحديث عن رسول الله أنه قال : “ليس للصبي لبن خير من لبن أمه “ و عن علي : “ ما من لبن يرضع به الصبي أعظم بركة عليه من لبن أمه “ فحليب الأم تتناسب مركباته و حاجات الطفل خاصة في الأشهر الأولى ، فهو قد صمم و ركب ليفي بحاجات الطفل يوماً بيوم ، و يعتبر رابطة فيزيولوجية محسوسة بين الطفل والأم ، وامتداداً لحبل الولادة . و فوق ذلك كله ، فإن قطرات حليب الأم التي يجتذبها الطفل ، تصحبها دفقات عظيمة من العطف والحنان ، تغذي نفسه إلى جانب تغذيته الجسدية .
و نفس الشيء يقال عن الحضانة ، فقد يتوفر من يقوم بشؤون الطفل غير الأم ، لكن لا أحد يوفّر له ماتغدقه عليه الأم من حب و شفقة ، و عطف و حنان .
لذلك قرر الإسلام أولوية الأم بإرضاع طفلها ، و أحقيتها بحضانته في السنوات الأولى من عمره ، على خلاف بين المذاهب و الفقهاء في تحديد تلك السنوات .
إن إنفصال الطفل عن الأم ، و حرمانه من فيض حبها و عطفها ، يحدث آثاراً سلبية عميقة في نفسه ، تنعكس على تشكيل شخصيته ، و مستقبل سلوكه ، و سيرته في الحياة .
وكان العرب حينما تعجبهم متانة شخصية إنسان و قوتها ، يصفونه بأنه “شبعان من حليب أمه” للتعبير عن ارتواء نفسيته ، عطفاً و حناناً في صغره ، مما جعله قوي الشخصية والجنان في ما بعد .
و تناقش دراسات تربوية واجتماعية حديثة ، تأثير ابتعاد الأم العاملة عن وليدها عند ذهابها للعمل ، و خاصة قبل إكمال السنة الأولى ، و أن ذلك يعود بآثار سلبية على الأم والطفل ، و من الأفضل أن تمدد إجازة الأمومة إلى سنة كاملة . و في تقريره إلى منظمة الصحة العالمية قدم “بولبي” براهين عدة ، تبيّن أن اضطراب الشخصية والعصاب ، تكونان غالباً نتيجة الحرمان من عناية الأم ، أو نتيجة لعلاقة متقطعة زمنيا ، و غير دائمة بين الطفل والأم ، وأن انقطاع العلاقة بينهما يعود بالنتائج السلبية على الطفل .
إن فيض حنان الأم يمنح نفس الطفل الأمن والاستقرار ، و يغذّي مشاعره بالطمأنينة والاستقامة ، و يصلّب شخصيته تجاه ما يستقبله في الحياة من مشاكل و أزمات .
البناء الثقافي والمعرفي :
يبدو العالم غريباً على الطفل حينما يتفتق إحساسه ، و يبدأ وعيه ، و تكون الأم هي أقرب شيء إليه ، ينظر إلى ما يحيط به ، و يتعامل معه من خلالها ، فمنها يتعلم اللغة والكلام ، و بواسطتها يتفهم ما يدور حوله .
و بإمكان الأم الواعية أن تقوم بدور كبير في تنمية معارف طفلها ، و زرع حب المعرفة في نفسه ، و تربيته على التفكير ، و تقوية مداركه العلمية ، عبر التحادث معه ، و إثارة اهتماماته ، و تشجيعه على الاستفهام والبحث .
إن حالة الفضول والسؤال عن كل شيء ، حالة طبيعية ، تحصل عند الطفل مبكراً ، و في العوائل المتخلفة ، قد تقمع هذه الحالة الإيجابية عند الطفل ، و يستثقل الوالدان كثرة تساؤلاته ، و قد ينظر إليها باستخفاف ، أو يجاب عليها بشكل خاطئ .
بينما يفترض أن يتيح فضول التساؤل عند الطفل فرصة مناسبة لتنمية معارفه ، و تشجيع قدراته الذهنية .
والأم صاحبة الدور الأكبر في هذا المجال ، و لا يصح أبداً أن تترك عقل و نفس طفلها ساحة مفتوحة أمام برامج التلفزيون ، لتتشكل ثقافته و معارفه وفق توجيهات قد لا تكون منسجمة مع نظام القيم الديني والاجتماعي .
كما لا ينبغي الاستهانة بقدرات الطفل على الفهم والاستيعاب ، إن حقائق كثيرة ، و مفاهيم مختلفة ، يمكن تقديمها للطفل ، عبر أساليب التوضيح والتبيين ، و بواسطة التكرار والإعادة .
و كثيراً ما يكون نبوغ بعض الأطفال و تفوقهم الدراسي ، ناتج عن التشجيع والاهتمام من قبل العائلة بالنمو المعرفي والبناء الثقافي .
التوجيه السلوكي :
كما يكتسب الطفل لغة الكلام من المحيط الذي يعيش فيه ، كذلك يأخذ سلوكه و أسلوب تعامله و تعاطيه ، من خلال ملاحظته و تقليده للقريبين منه ، إنه يأتي للحياة صفحة بيضاء فارغة ، ثم تبدأ رسوم العادات والتقاليد التي ينشأ في أجوائها ، تنعكس و ترتسم على صفحة نفسه و سلوكه .
يقول الإمام علي : “ إنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته . ” و لأن الطفل يتأثر بالأقرب إليه ، والأكثر التصاقاً به ، فإن الأم هي المؤثر الأكبر في سلوكه في السنوات التأسيسية من عمره ، تلك السنوات التي تتحكم في بناء شخصيته المستقبلية .
فالطفل شديد الملاحظة والتأمل في تصرفات أمه وحركاتها ، و من ثم يندفع لمحاكاتها و تقليدها ، و تبقى في أعماق نفسه ، و خبايا مشاعره ، الكثير من الانطباعات عن مشاهداته و معايشاته لسلوك المحيطين به فترة صغره ، و خاصة الأم . هذه الانطباعات قد تصبح له مصدر توجيه و إلهام فيما يواجهه من مواقف و ظروف .
و إذا كان بعض العظماء والمفكرين والأدباء ، قد تحدثوا عن بعض ما علق بذاكرتهم من فترة طفولتهم ، و عن تأثيرات تلك الفترة في تشكيل شخصياتهم ، فإنما هم يتحدثون عن ظاهرة عامة ، لكل أبناء البشر ، و ميزة هؤلاء تعبيرهم عن هذه الظاهرة .
انطلاقاً من هذه الحقيقة فإن الأم الواعية ، ذات السلوك القويم ، والتوجيه التربوي ، تصنع شخصيات أبنائها في مستوى رفيع ، و بكفائة عالية .
أمهات العظماء :
إن دراسة حياة العظماء في نشأتهم ، والتأمل في ظروف تربيتهم العائلية ، يكشف في غالب الأحيان عن دور الأمهات في صناعة شخصيات هؤلاء العظماء .
لقد تحدث القرآن الكريم عن نبي الله موسى و ظروف ولادته و نشأته ، في آيات كثيرة ، نقرأ فيها حضوراً فاعلاً لأمه ، دون أي إشارة أو ذكر لأبيه عمران ، مع تأكيد المصادر التاريخية على وجوده عند ولادة موسى ، و أن عمره آنذاك كان سبعين سنة ، كما في تاريخ الطبري والكامل لابن الأثير .
أما نبي الله عيسى ابن مريم ، فلم يكن له أب ، وانفردت أمه برعايته و تربيته ، و جاء ذكرها بالتعظيم والتقديس في القرآن الكريم ، بل خصصت سورة باسمها : سورة مريم .
و ينقل عن “نابليون بونابارت” والذي أسس امبراطورية عظيمة شملت معظم أرجاء أوربا ، ينقل عنه قوله : “ إن ما توصلت إليه اليوم هو من عند أمي”
و كتب أحد الباحثين : “ تستطيع الأم الفاضلة أن تؤدي مهمة مائة أستاذ من أساتذة المدارس . هذا ما قاله الشاعر الانجليزي جورج هربرت ، و هذا ما أثبته التاريخ . فجورج واشنطن أول رئيس للجمهورية في الولايات المتحدة الأمريكية ، كان قد فقد أباه و هو في الحادية عشرة من عمره ، و ما كان ليشبَّ على ماشبَّ عليه من رصانة الخلق ، و قوة الشخصية ، لو لم تكن امه على جانب كبير من الحكمة والاقتدار ، و قد تولت تربيته منفردة بعد وفاة أبيه . و يصدق ذلك كثيراً او قليلاً على عدد من أعلام الأدب والعلم والشعر عبر التاريخ . نذكر منهم على سبيل المثال : جوته ، و جرين ، و شيللر ، و بيكون ، و ارسكني . فلو لا تربية امهاتهم لهم لما احتل هؤلاء مكانتهم بين أعلام المبدعين”
إن كل أم ترغب الخير لولدها ، و تتمنى أن يكون متقدماً متفوقاً ، عليها أن تعلم أن ذلك رهن بحسن تربيتها ، و إتقان رعايتها واهتمامها بتوجيهه ، و تهذيب سلوكه .
أين دور الأب ؟
لا يمكن إنكار دور الأب ، و لا تجاهل تأثيره في تربية الأبناء ، والحديث عن دور الأم انما هو باعتبارها الأكثر التصاقاً بالولد ، خاصة في الفترة الأولى من عمره ، والتي يطلق عليها علماء التربية والنفس ، أنها السنوات التأسيسية لتشكيل شخصية الإنسان .
لذلك نجد النصوص الدينية تؤكد على مكانة الأم ، و حقها الكبير على الإنسان ، فأتعابها و تضحياتها تجاه الولد ، اثناء الحمل والولادة والحضانة ، لا تقاس بأي جهد آخر ، حتى جهد الأب .
ورد عن هشام بن سالم عن ابي عبدالله جعفر الصادق قال : جاء رجل إلى النبي فقال : يارسول الله من أبرُّ ؟ قال :” أمك .” قال : ثم من ؟ قال : “أمك .” قال : ثم من ؟ قال : “أمك .” قال : ثم من . قال : “أباك .”
و روى انس عن رسول الله قال : “ الجنة تحت اقدام الأمهات”
و واضح أن العلاقة بين الطفل والأم خاصة في السنوات الأولى ، هي أوثق و أقوى من علاقته مع الاب ، بسبب طبيعة دور الأم ، لذلك تكون هي الاكثر تأثيراً عليه ، و قدرة على صناعة شخصيته .
الوظيفة الأرقى :
تقاس أهمية أي وظيفة بعدة مقاييس من أبرزها ما يلي :
1 ـ أهمية الإنجاز الذي تنتجه الوظيفة .
2 ـ مدى الجهد المبذول في القيام بها ، والكفاءة المؤهلة لذلك .
3 ـ نسبة توفير البدائل والخيارات لادائها .
فكلما كان الإنجاز أهم ، والجهد المبذول أكبر ، والتأهيل المطلوب أرفع ، والبدائل أقل ، كانت الوظيفة أرقى و أعلى .
على أساس هذه المقاييس فإنه يمكن اعتبار الأمومة أرقى وظيفة في المجتمع البشري ، فهي ترتبط بإنتاج الإنسان نفسه ، و صنع شخصيته ، و ذلك إنجاز لا يدانيه أي إنجاز .
أما الجهد الذي تتطلبه مهمة الأمومة من حمل و ولادة و رضاعة و حضانة ، ففيه درجة قصوى من الخطورة والعناء والمشقة . ويعبرّ القرآن الكريم عن ذلك بقوله تعالى : ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ) وفي آية أخرى ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ) .
كما أن مؤهلات دور الأمومة صفات نفسية فطرية لا يمكن توفيرها بأي ثمن ، إنها الحب الحقيقي ، والحنان الصادق ، والتّحمل للعناء بكل رضا و سرور .
و على صعيد توفير البدائل والخيارات فإن من الواضح وجداناً و تجربة أن لا أحد يملأ مكان الأم ، و لا يستطيع تقمّص دورها المتميّز .
فالأمومة هي الوظيفة الأرقى ، و الأم التي تحسن أداء هذه الوظيفة ، لا يمكن تثمين دورها بأي ثمن ، و لا تحديد أجرها بأي مقابل ، و كل إنسان مطوّق بفضلها ، و مهما عمل و قدم لأمه فلن يستطيع مكافأتها . قال رجل لرسول الله : إنّ والدتي بلغها الكبر و هي عندي الآن أحملها على ظهري ، واطعمها من كسبي ، واميط عنها الاذى بيدي ، و أصرف عنها مع ذلك وجهي استحياءً منها و إعظاماً لها ، فهل كافأتها ؟ قال : ” لا لأن بطنها كان لك وعاء و ثديها كان لك سقاء ، و قدمها لك حذاء ، و يدها لك وقاء ، و حجرها لك حواء ، و كانت تصنع ذلك لك و هي تمنّى حياتك ، و أنت تصنع هذا بها و تحبّ مماتها .”
و من المؤسف جداً ما تعيشه أغلب المجتمعات في هذا العصر ، من إعلاء شأن الاهتمامات المادية والشهوانية ، على حساب النوازع الإنسانية النبيلة ، حيث ترّوج بعض الأفكار والتصورات التي تقلّل من قيمة دور الأمومة و تستخف به ، في مقابل الإشادة بالأعمال الوظيفية الأخرى ، التي تُدفع المرأة للقيام بها ، واصبحن بعض النساء يشعرن بالهامشية والتخلف والخجل ، إذا كان دورهن متركزاً على القيام بمهمة الأمومة ، بينما الوظيفة الأخرى مدعاة للفخر والإعتزاز .
إنه لا مانع من عمل المرأة في أي مجال من مجالات الحياة ، لكن لا ينبغي أن يكون على حساب دور الأمومة ، و لا يصح أبدا أن يستهان بقيمة هذا الدور .
و كما تطالب المنظمات الإنسانية والتربوية ، فإنه ينبغي سّن القوانين والتشريعات ، التي تمكّن المرأة العاملة من أداء وظيفة الأمومة المقدسة بالشكل المناسب .
إن الضعف والتقصير في أداء مهام الأمومة ، ينعكس سلباً على شخصيات و نفسيات الجيل القادم . فلا بد من تعبئة و توعية واسعة ، تعيد هذه الوظيفة إلى مركز الصدارة في اهتمام إمرأة اليوم .
التربية الصالحة :
إلى جانب إغداق الحنان والعطف ، و تقديم الرعاية اللازمة للطفل ، يجب أن تهتم الأم بغرس بذور الاستقامة والصلاح في نفسية وليدها ، و أن تسعى لإعداده للرقي في مدارج الكمال ، إنها بسلوكها و سيرتها تستطيع أن تكون نموذجاً يحرص أبناؤها على الاحتذاء به ، و محاكاته ، فاهتمامها بالمعرفة ، والتزامها بالخلق القويم ، و أداؤها للواجبات الدينية ، يخلق في نفوس أبنائها نفس هذه التوجهات ، و يدفعهم للأخذ بها .
كما أن محادثة الأم مع الأبناء ، و تقديمها النصائح والإرشادات ، و شرح حقائق الحياة و معادلاتها لهم بلغة واضحة رقيقة ، يسهم كثيراً في بناء شخصياتهم الواعية الناضجة .
في السنوات الأولى من عمر الإنسان تتشكل ملامح شخصيته ، و تنغرس بذور صفاتها الأساسية ، لذلك يسميها خبراء التربية بالسنوات التأسيسية ، وفي تلك السنوات لا أحد أقرب إلى الطفل و أشد التصاقاً به من الأم ، و بذلك تكون هي الجهة الأكثر تأثيراً في تشكيل شخصيته و صناعتها .
و يتيح لها الارتباط العضوي والنفسي بينها و بين الطفل أكبر فرصة للتأثير ، فهو في الأساس جزء منها ، تكّون في أحشائها ، و تغذّى من دمها ، ثم ينشأ في حضنها ، و ينمو جسمه من لبنها ، فمن الطبيعي أن تتعلق به ، و أن ينشدّ إليها ، هذه العلقة الخاصة ، والانشداد الوثيق ، هي التي تجعل بيد الأم أدوات الرسم والتشكيل لشخصية الولد .
و لا تستطيع أي جهة أخرى أن تأخذ نفس مكانة الأم و تأثيرها ، حتى و إن مارست وظائف الأم العملية ، كالإرضاع والحضانة . لأنها لا تملك آليات التفاعل والارتباط النفسي والعاطفي الموجود لدى الأم ، بل يمكن القول إن هناك برمجة غريزية ، أودعها الخالق جلّ وعلا للاستجابة والتفاعل بين الأم و وليدها ، ليس في عالم الإنسان فقط ، بل في عوالم سائر الحيوانات أيضاً ، فحتى عند الثدييات الدنيا مثلاً يبدأ التعلق مباشرة بعد الولادة ، فالصغير يتعرف على أمه و يبقى إلى جانبها دون غيرها ، والأم بدورها ترعى و تغذي و تحمي وليدها دون غيره .
لقد حاولت بعض النظريات في مجالات التربية و علم النفس ، أن تقصر تفسير ظاهرة التعلق والانشداد ، بين الطفل والأم ، على أساس تلبية الأم للحاجات البيولوجية للطفل ، حيث توفر له متطلباته الأساسية . لكن هذه النظريات لم تصمد أمام النقد العلمي ، والملاحظة التجريبية ، و يرى “بولبي” ومجموعة من العلماء المتخصصين : أن هذه النظريات ليست مقنعة في تفسيرها لظاهرة التعلّق عند الإنسان ، و يستند “بولبي” إلى نتائج البحوث والدراسات ، التي تبين أن التعلق يمكن أن ينمو و يتطور تجاه أفراد غير معنيين بالعناية الجسدية للطفل و تطور العلاقة بين الأم والطفل يتجاوز تلبية الحاجات البيولوجية .
و يعتمد إلى حد كبير على طبيعة التفاعل بين الجانبين ، فإرضاء حاجات الطفل الأساسية عملية ضرورية ، و لكنها غير كافية لنمو التعلق بين الأم والطفل ، و غالباً مايكون إرضاء هذه الحاجات فرصة للتفاعل المتبادل بكل أشكاله . فعندما ترضع الأم طفلها ، تشعره بحرارة جسدها ، و بحنو لمساتها ، و برقة عباراتها و مناغاتها ، و يظهر الطفل بدوره علامات الرضى و الارتياح ، مما يشجعها على الاستمرار في التفاعل معه .
الإشباع العاطفي :
أصبح من الواضح علمياً كما هو ملحوظ وجدانياً ، مدى حاجة الطفل إلى الحنان والعطف الذي تفيضه عليه الأم ، بشكل خاص ، والذي لا يعوضّ عنه أي بديل ، و إن توفير الاحتياجات الجسدية للطفل ، لا يمكن أن يغنيه عن حب أمه و حنانها ، ذلك الحب والحنان المميّز الذي لا يصطنع و لا يستبدل .
حتى أن أبحاثاً علمية حديثة تشير إلى خطأ دارج من قبل المستشفيات التي يتم فيها التوليد بإشراف طبي ، حيث يفصل الصغير عن الأم مباشرة بعد الولادة ، لأسباب العناية الصحية ، لكن نتائج هذه الأبحاث تخلص إلى القول : بوجوب وضع الوليد على تماس حسّي مع الأم بعد الولادة مباشرة ، و ذلك لأهمية هذه اللحظات في العلاقات اللاحقة بين الطفل والأم ، و أهمية توفير الفرصة للأم لرؤية الطفل و ملامسته بعد الولادة مباشرة ، فهي في أشد الحاجة لتحسه و تتلمسه و تشمه ، لذا يجب المزيد من الحذر قبل التفكير بفصل الطفل عن الأم بعد الولادة مباشرة .
إن الطفل يحتاج إلى الغذاء ، و يمكن توفير حاجته الغذائية من أي مصدر ، لكن أي تغذية للطفل ، لا يمكن أن تكون بمستوى لبن الأم ، لا من حيث القيمة الغذائية فقط ، بل لما يوفره من فرصة للإشباع العاطفي ، و لإفاضة الحنان والحب على المولود ، إضافة إلى ماتشعر به الأم من سعادة و سرور .
لذلك ورد في الحديث عن رسول الله أنه قال : “ليس للصبي لبن خير من لبن أمه “ و عن علي : “ ما من لبن يرضع به الصبي أعظم بركة عليه من لبن أمه “ فحليب الأم تتناسب مركباته و حاجات الطفل خاصة في الأشهر الأولى ، فهو قد صمم و ركب ليفي بحاجات الطفل يوماً بيوم ، و يعتبر رابطة فيزيولوجية محسوسة بين الطفل والأم ، وامتداداً لحبل الولادة . و فوق ذلك كله ، فإن قطرات حليب الأم التي يجتذبها الطفل ، تصحبها دفقات عظيمة من العطف والحنان ، تغذي نفسه إلى جانب تغذيته الجسدية .
و نفس الشيء يقال عن الحضانة ، فقد يتوفر من يقوم بشؤون الطفل غير الأم ، لكن لا أحد يوفّر له ماتغدقه عليه الأم من حب و شفقة ، و عطف و حنان .
لذلك قرر الإسلام أولوية الأم بإرضاع طفلها ، و أحقيتها بحضانته في السنوات الأولى من عمره ، على خلاف بين المذاهب و الفقهاء في تحديد تلك السنوات .
إن إنفصال الطفل عن الأم ، و حرمانه من فيض حبها و عطفها ، يحدث آثاراً سلبية عميقة في نفسه ، تنعكس على تشكيل شخصيته ، و مستقبل سلوكه ، و سيرته في الحياة .
وكان العرب حينما تعجبهم متانة شخصية إنسان و قوتها ، يصفونه بأنه “شبعان من حليب أمه” للتعبير عن ارتواء نفسيته ، عطفاً و حناناً في صغره ، مما جعله قوي الشخصية والجنان في ما بعد .
و تناقش دراسات تربوية واجتماعية حديثة ، تأثير ابتعاد الأم العاملة عن وليدها عند ذهابها للعمل ، و خاصة قبل إكمال السنة الأولى ، و أن ذلك يعود بآثار سلبية على الأم والطفل ، و من الأفضل أن تمدد إجازة الأمومة إلى سنة كاملة . و في تقريره إلى منظمة الصحة العالمية قدم “بولبي” براهين عدة ، تبيّن أن اضطراب الشخصية والعصاب ، تكونان غالباً نتيجة الحرمان من عناية الأم ، أو نتيجة لعلاقة متقطعة زمنيا ، و غير دائمة بين الطفل والأم ، وأن انقطاع العلاقة بينهما يعود بالنتائج السلبية على الطفل .
إن فيض حنان الأم يمنح نفس الطفل الأمن والاستقرار ، و يغذّي مشاعره بالطمأنينة والاستقامة ، و يصلّب شخصيته تجاه ما يستقبله في الحياة من مشاكل و أزمات .
البناء الثقافي والمعرفي :
يبدو العالم غريباً على الطفل حينما يتفتق إحساسه ، و يبدأ وعيه ، و تكون الأم هي أقرب شيء إليه ، ينظر إلى ما يحيط به ، و يتعامل معه من خلالها ، فمنها يتعلم اللغة والكلام ، و بواسطتها يتفهم ما يدور حوله .
و بإمكان الأم الواعية أن تقوم بدور كبير في تنمية معارف طفلها ، و زرع حب المعرفة في نفسه ، و تربيته على التفكير ، و تقوية مداركه العلمية ، عبر التحادث معه ، و إثارة اهتماماته ، و تشجيعه على الاستفهام والبحث .
إن حالة الفضول والسؤال عن كل شيء ، حالة طبيعية ، تحصل عند الطفل مبكراً ، و في العوائل المتخلفة ، قد تقمع هذه الحالة الإيجابية عند الطفل ، و يستثقل الوالدان كثرة تساؤلاته ، و قد ينظر إليها باستخفاف ، أو يجاب عليها بشكل خاطئ .
بينما يفترض أن يتيح فضول التساؤل عند الطفل فرصة مناسبة لتنمية معارفه ، و تشجيع قدراته الذهنية .
والأم صاحبة الدور الأكبر في هذا المجال ، و لا يصح أبداً أن تترك عقل و نفس طفلها ساحة مفتوحة أمام برامج التلفزيون ، لتتشكل ثقافته و معارفه وفق توجيهات قد لا تكون منسجمة مع نظام القيم الديني والاجتماعي .
كما لا ينبغي الاستهانة بقدرات الطفل على الفهم والاستيعاب ، إن حقائق كثيرة ، و مفاهيم مختلفة ، يمكن تقديمها للطفل ، عبر أساليب التوضيح والتبيين ، و بواسطة التكرار والإعادة .
و كثيراً ما يكون نبوغ بعض الأطفال و تفوقهم الدراسي ، ناتج عن التشجيع والاهتمام من قبل العائلة بالنمو المعرفي والبناء الثقافي .
التوجيه السلوكي :
كما يكتسب الطفل لغة الكلام من المحيط الذي يعيش فيه ، كذلك يأخذ سلوكه و أسلوب تعامله و تعاطيه ، من خلال ملاحظته و تقليده للقريبين منه ، إنه يأتي للحياة صفحة بيضاء فارغة ، ثم تبدأ رسوم العادات والتقاليد التي ينشأ في أجوائها ، تنعكس و ترتسم على صفحة نفسه و سلوكه .
يقول الإمام علي : “ إنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته . ” و لأن الطفل يتأثر بالأقرب إليه ، والأكثر التصاقاً به ، فإن الأم هي المؤثر الأكبر في سلوكه في السنوات التأسيسية من عمره ، تلك السنوات التي تتحكم في بناء شخصيته المستقبلية .
فالطفل شديد الملاحظة والتأمل في تصرفات أمه وحركاتها ، و من ثم يندفع لمحاكاتها و تقليدها ، و تبقى في أعماق نفسه ، و خبايا مشاعره ، الكثير من الانطباعات عن مشاهداته و معايشاته لسلوك المحيطين به فترة صغره ، و خاصة الأم . هذه الانطباعات قد تصبح له مصدر توجيه و إلهام فيما يواجهه من مواقف و ظروف .
و إذا كان بعض العظماء والمفكرين والأدباء ، قد تحدثوا عن بعض ما علق بذاكرتهم من فترة طفولتهم ، و عن تأثيرات تلك الفترة في تشكيل شخصياتهم ، فإنما هم يتحدثون عن ظاهرة عامة ، لكل أبناء البشر ، و ميزة هؤلاء تعبيرهم عن هذه الظاهرة .
انطلاقاً من هذه الحقيقة فإن الأم الواعية ، ذات السلوك القويم ، والتوجيه التربوي ، تصنع شخصيات أبنائها في مستوى رفيع ، و بكفائة عالية .
أمهات العظماء :
إن دراسة حياة العظماء في نشأتهم ، والتأمل في ظروف تربيتهم العائلية ، يكشف في غالب الأحيان عن دور الأمهات في صناعة شخصيات هؤلاء العظماء .
لقد تحدث القرآن الكريم عن نبي الله موسى و ظروف ولادته و نشأته ، في آيات كثيرة ، نقرأ فيها حضوراً فاعلاً لأمه ، دون أي إشارة أو ذكر لأبيه عمران ، مع تأكيد المصادر التاريخية على وجوده عند ولادة موسى ، و أن عمره آنذاك كان سبعين سنة ، كما في تاريخ الطبري والكامل لابن الأثير .
أما نبي الله عيسى ابن مريم ، فلم يكن له أب ، وانفردت أمه برعايته و تربيته ، و جاء ذكرها بالتعظيم والتقديس في القرآن الكريم ، بل خصصت سورة باسمها : سورة مريم .
و ينقل عن “نابليون بونابارت” والذي أسس امبراطورية عظيمة شملت معظم أرجاء أوربا ، ينقل عنه قوله : “ إن ما توصلت إليه اليوم هو من عند أمي”
و كتب أحد الباحثين : “ تستطيع الأم الفاضلة أن تؤدي مهمة مائة أستاذ من أساتذة المدارس . هذا ما قاله الشاعر الانجليزي جورج هربرت ، و هذا ما أثبته التاريخ . فجورج واشنطن أول رئيس للجمهورية في الولايات المتحدة الأمريكية ، كان قد فقد أباه و هو في الحادية عشرة من عمره ، و ما كان ليشبَّ على ماشبَّ عليه من رصانة الخلق ، و قوة الشخصية ، لو لم تكن امه على جانب كبير من الحكمة والاقتدار ، و قد تولت تربيته منفردة بعد وفاة أبيه . و يصدق ذلك كثيراً او قليلاً على عدد من أعلام الأدب والعلم والشعر عبر التاريخ . نذكر منهم على سبيل المثال : جوته ، و جرين ، و شيللر ، و بيكون ، و ارسكني . فلو لا تربية امهاتهم لهم لما احتل هؤلاء مكانتهم بين أعلام المبدعين”
إن كل أم ترغب الخير لولدها ، و تتمنى أن يكون متقدماً متفوقاً ، عليها أن تعلم أن ذلك رهن بحسن تربيتها ، و إتقان رعايتها واهتمامها بتوجيهه ، و تهذيب سلوكه .
أين دور الأب ؟
لا يمكن إنكار دور الأب ، و لا تجاهل تأثيره في تربية الأبناء ، والحديث عن دور الأم انما هو باعتبارها الأكثر التصاقاً بالولد ، خاصة في الفترة الأولى من عمره ، والتي يطلق عليها علماء التربية والنفس ، أنها السنوات التأسيسية لتشكيل شخصية الإنسان .
لذلك نجد النصوص الدينية تؤكد على مكانة الأم ، و حقها الكبير على الإنسان ، فأتعابها و تضحياتها تجاه الولد ، اثناء الحمل والولادة والحضانة ، لا تقاس بأي جهد آخر ، حتى جهد الأب .
ورد عن هشام بن سالم عن ابي عبدالله جعفر الصادق قال : جاء رجل إلى النبي فقال : يارسول الله من أبرُّ ؟ قال :” أمك .” قال : ثم من ؟ قال : “أمك .” قال : ثم من ؟ قال : “أمك .” قال : ثم من . قال : “أباك .”
و روى انس عن رسول الله قال : “ الجنة تحت اقدام الأمهات”
و واضح أن العلاقة بين الطفل والأم خاصة في السنوات الأولى ، هي أوثق و أقوى من علاقته مع الاب ، بسبب طبيعة دور الأم ، لذلك تكون هي الاكثر تأثيراً عليه ، و قدرة على صناعة شخصيته .
الوظيفة الأرقى :
تقاس أهمية أي وظيفة بعدة مقاييس من أبرزها ما يلي :
1 ـ أهمية الإنجاز الذي تنتجه الوظيفة .
2 ـ مدى الجهد المبذول في القيام بها ، والكفاءة المؤهلة لذلك .
3 ـ نسبة توفير البدائل والخيارات لادائها .
فكلما كان الإنجاز أهم ، والجهد المبذول أكبر ، والتأهيل المطلوب أرفع ، والبدائل أقل ، كانت الوظيفة أرقى و أعلى .
على أساس هذه المقاييس فإنه يمكن اعتبار الأمومة أرقى وظيفة في المجتمع البشري ، فهي ترتبط بإنتاج الإنسان نفسه ، و صنع شخصيته ، و ذلك إنجاز لا يدانيه أي إنجاز .
أما الجهد الذي تتطلبه مهمة الأمومة من حمل و ولادة و رضاعة و حضانة ، ففيه درجة قصوى من الخطورة والعناء والمشقة . ويعبرّ القرآن الكريم عن ذلك بقوله تعالى : ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ) وفي آية أخرى ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ) .
كما أن مؤهلات دور الأمومة صفات نفسية فطرية لا يمكن توفيرها بأي ثمن ، إنها الحب الحقيقي ، والحنان الصادق ، والتّحمل للعناء بكل رضا و سرور .
و على صعيد توفير البدائل والخيارات فإن من الواضح وجداناً و تجربة أن لا أحد يملأ مكان الأم ، و لا يستطيع تقمّص دورها المتميّز .
فالأمومة هي الوظيفة الأرقى ، و الأم التي تحسن أداء هذه الوظيفة ، لا يمكن تثمين دورها بأي ثمن ، و لا تحديد أجرها بأي مقابل ، و كل إنسان مطوّق بفضلها ، و مهما عمل و قدم لأمه فلن يستطيع مكافأتها . قال رجل لرسول الله : إنّ والدتي بلغها الكبر و هي عندي الآن أحملها على ظهري ، واطعمها من كسبي ، واميط عنها الاذى بيدي ، و أصرف عنها مع ذلك وجهي استحياءً منها و إعظاماً لها ، فهل كافأتها ؟ قال : ” لا لأن بطنها كان لك وعاء و ثديها كان لك سقاء ، و قدمها لك حذاء ، و يدها لك وقاء ، و حجرها لك حواء ، و كانت تصنع ذلك لك و هي تمنّى حياتك ، و أنت تصنع هذا بها و تحبّ مماتها .”
و من المؤسف جداً ما تعيشه أغلب المجتمعات في هذا العصر ، من إعلاء شأن الاهتمامات المادية والشهوانية ، على حساب النوازع الإنسانية النبيلة ، حيث ترّوج بعض الأفكار والتصورات التي تقلّل من قيمة دور الأمومة و تستخف به ، في مقابل الإشادة بالأعمال الوظيفية الأخرى ، التي تُدفع المرأة للقيام بها ، واصبحن بعض النساء يشعرن بالهامشية والتخلف والخجل ، إذا كان دورهن متركزاً على القيام بمهمة الأمومة ، بينما الوظيفة الأخرى مدعاة للفخر والإعتزاز .
إنه لا مانع من عمل المرأة في أي مجال من مجالات الحياة ، لكن لا ينبغي أن يكون على حساب دور الأمومة ، و لا يصح أبدا أن يستهان بقيمة هذا الدور .
و كما تطالب المنظمات الإنسانية والتربوية ، فإنه ينبغي سّن القوانين والتشريعات ، التي تمكّن المرأة العاملة من أداء وظيفة الأمومة المقدسة بالشكل المناسب .
إن الضعف والتقصير في أداء مهام الأمومة ، ينعكس سلباً على شخصيات و نفسيات الجيل القادم . فلا بد من تعبئة و توعية واسعة ، تعيد هذه الوظيفة إلى مركز الصدارة في اهتمام إمرأة اليوم .
التربية الصالحة :
إلى جانب إغداق الحنان والعطف ، و تقديم الرعاية اللازمة للطفل ، يجب أن تهتم الأم بغرس بذور الاستقامة والصلاح في نفسية وليدها ، و أن تسعى لإعداده للرقي في مدارج الكمال ، إنها بسلوكها و سيرتها تستطيع أن تكون نموذجاً يحرص أبناؤها على الاحتذاء به ، و محاكاته ، فاهتمامها بالمعرفة ، والتزامها بالخلق القويم ، و أداؤها للواجبات الدينية ، يخلق في نفوس أبنائها نفس هذه التوجهات ، و يدفعهم للأخذ بها .
كما أن محادثة الأم مع الأبناء ، و تقديمها النصائح والإرشادات ، و شرح حقائق الحياة و معادلاتها لهم بلغة واضحة رقيقة ، يسهم كثيراً في بناء شخصياتهم الواعية الناضجة .