B A N D O R
06-Feb-2009, 03:03 AM
ستون عاما من الصراع العربى - الإسرائيلى .. جدلية المقاومة والتسوية
* د. أحمد يوسف أحمد
مقالات ..... (قسم خاص: كيف أدار العرب الصراع مع إسرائيل؟)
فى صراع مصيرى، كالصراع العربى - الإسرائيلى، تكتسب الأسئلة حولالطرق المثلى لإدارته أهمية فائقة، إذ يترتب على الإجابات الصحيحة لهذه الأسئلةإمكان تحقيق طرف ما لأهدافه، أو على الأقل لجزء منها. وبعد مرور ستين عاما على نشأةدولة إسرائيل، التى تعد علامة فارقة فى تطور هذا الصراع، يزداد إلحاح الحاجة إلىالبحث عن الإجابات الصحيحة، خاصة أن كلا من نهجى المقاومة والتسوية يبدو مأزوما،ولذلك فإن من شأن البحث أن يساعد على إيضاح الأمور، ومن ثم اتخاذ قرارات رشيدة فىإدارة الصراع.
المقاومة أو التسوية .. دروس الخبرة العملية :
يشتد الجدل فى الآونة الراهنة على الصعيد العربى عامة والفلسطينىخاصة حول نهجى التسوية والمقاومة، خاصة وقد انفرط عقد فصيلى المقاومة، الرئيسيين فىفلسطين، جغرافيا وسياسيا، بسيطرة حماس المتبنية خيار المقاومة على قطاع غزة، وسيطرةفتح التى تتبنى قيادتها خيار التسوية على الضفة الغربية. فهل يمكن أن تقدم القراءةالمقارنة لخبرات التحرر الوطنى المعاصرة دروسا مفيدة فى هذا الصدد؟
كقانونعام، يكون التناقض بين المشروع الاستعمارى والوطنى واضحا منذ بدايته، فيؤدى إلىإرهاصات لمقاومة وطنية عفوية للاستعمار تأخذ عادة فى البداية الطابع العنيف، ربمالتصور جدواها فى دحض المشروع الاستعمارى، نظرا لعدم الإلمام بأبعاده المتكاملة ومدىضراوته. ومع مرور الوقت، 'تتعلم' الحركات الوطنية المزيد عن المشاريع الاستعماريةفتهدأ إلى حين، و'تتعلم' السلطات الاستعمارية المزيد عن حركات التحرر الوطنى فتحسنأساليبها فى مواجهتها. غير أن التناقض يأخذ فى التجذر مرحلة بعد مرحلة فتستمر هذهالحركات فى نضالها وتوسع نطاقه أفقيا على المستويين: الاجتماعى بضم طبقات جديدةللنضال، والجغرافى بانتشار مكانى أوسع له، وتطور أساليبه رأسيا على مستوى أشكالالنضال وأدواته. فاستمرار حركات التحرر الوطنى فى نضالها ليس إذن مجرد نبض روتينىيشير إلى بقاء الحياة، وإنما هو إرادة فعل متزايدة تتحرك بثبات بسرعة أحيانا،وببطء- فى أغلب الأحيان- نحو تحقيق أهدافها. ولا يعنى الاستمرار -كما تشير خبراتأغلب حركات التحرر الوطني- النضال اليومى الذى لا يتوقف لحظة واحدة، فهناك التوقفالذى أعقب الهزائم والنكسات التى بقيت بالمنظور التاريخى ظاهرة مؤقتة فى المسارالعام لعملية التحرر الوطنى، وهناك التوقف الذى كان يعنى إعادة الحسابات والتخطيطللمواجهة.
ويؤدى هذا المسار المستمر تاريخيا والمتصاعد موضوعيا لحركاتالتحرر الوطنى إلى آلية أكيدة لتآكل المشروعات الاستعمارية، نتيجة للضرر المتزايدالذى تلحقه هذه الحركات بمستعمريها. وفى البداية، يصل الإخفاق فى إدراك حقيقةالموقف وجوهر التاريخ من قبل المستعمرين إلى حد 'العمي' الكامل، فيتصورون أن حركاتالتحرر الوطنى ما هى إلا ظواهر مؤقتة تطفح على جلد المشروعات الاستعمارية، فيعملونعلى استئصالها بإعمال القوانين والنظم الاستعمارية من خلال استخدام مكثف لأدواتالإكراه. ويرتبط ذلك عادة بمواقف سياسية بالغة التطرف ضد مطالب هذه الحركات، تكونهى فى حد ذاتها بعد ذلك خير دليل على بداية التآكل الحقيقى فى المشروع الاستعمارى،عندما تبدأ هذه المواقف فى التغيير تحت وطأة الضغط المستمر والضربات المتزايدةلحركات التحرر. وعند نقطة معينة، يكون من الواضح أن تكلفة المشروع الاستعمارى قدأصبحت تفوق العائد المترتب عليه، وعادة ما يستمر 'العمي' لدى نظام الحكم القائم فىالدولة الاستعمارية، فلا تحدث الاستجابة المطلوبة للمتغيرات الجديدة النابعة منبيئة حركات التحرر الوطني. وهنا، تصل آلية التآكل إلى قمتها بحدوث تغيرات سياسية فىمعسكر المستعمر، قد تكون جذرية فى بعض الأحيان، وتضطلع السلطة الجديدة فى الدولالاستعمارية بمهمة التكيف مع حركات التحرر الوطنى بضرورة التسليم بمطلبها فىالاستقلال السياسي.
ومن الأهمية بمكان أن نناقش، فى سياق تحليل ظاهرةالمقاومة الوطنية لعمليات الاستعمار والاحتلال الأجنبيين، العلاقة الجدلية بينالكفاح المسلح والنضال السلمي. فليس صحيحا أن كل مقاومة ينبغى أن تكون مسلحة، أويستحسن أن تكون ذات طابع سلمى، إذ تظهر القراءة المتأنية لمسار حركات التحرر الوطنىمن منظور أساليب النضال أن ثمة نموذجا يكاد يكون عاما، تتكشف أبعاده من خلال هذاالمسار. فتطبيق المشروعات الاستعمارية على أرض الواقع، من خلال الغزو العسكرى بصفةخاصة، يولد إرادة المقاومة لدى الشعوب التى تستهدفها هذه المشروعات، تنعكس فى شكلمقاومة عنيفة لهذا الغزو. غير أن الخلل العام فى ميزان القوى بين الاستعماريينوالوطنيين يؤدى بعد فترة تطول أو تقصر- وفقا للظروف الخاصة بكل حالة على حدة- إلىإخماد المقاومة العنيفة للوطنيين.
وتمر مرحلةمن السكون، من الواضح أنالمجتمع المقهور يتأمل خلالها فى كل ما جرى، ويعيد حسابات المواجهة، وذلك فى الوقتالذى تكون فيه أبعاد المشروع الاستعمارى قد بدأت تتكشف شيئا فشيئا عن أبشع صورالاستغلال والقهر لجماهير الوطنيين. وتبرز المقاومة من جديد، باعتبارها الطريقالوحيد والحتمى للخلاص، غير أنها تأخذ فى البداية الطابع السلمى السياسى، ربماللوعى بالخلل الهائل بين معسكر الاستعمار ومعسكر التحرر. وتبرز طلائع من الوطنيينلقيادة عملية المقاومة، ويتم بالتدريج جذب مزيد من القوى الاجتماعية فى عدد أكبر منالمناطق إلى معسكر التحرر. وفى لحظة معينة، يتأكد إفلاس الطابع السلمى السياسىوحده، وتبرز ضرورة إدخال الكفاح المسلح فى المجرى العام للنضال، وتنطلق الشرارةالأولى فى اللحظة التى تثق فيها طلائع التحرر فى قدرتها على تحقيق النصر. لكن تبنىالكفاح المسلح لا يعنى فى حد ذاته انتهاء المشكلات، فهناك بطبيعة الحال مشكلاتمواجهة العنف المضاد من الاستعماريين، وهناك مشكلة العلاقة بين النضال العسكرىوالنضال السياسى، خاصة عندما يكون لكل من الأسلوبين رجاله، وهناك مشكلة الدعمالخارجى للكفاح المسلح، والذى يتوقف على ظروف لا تسيطر عليها هذه الحركات بطبيعةالحال، وتؤدى هذه الظروف فى أحيان غير قليلة إلى تقلبات غير مواتية فى هذاالدعم.
وفى مواجهة هذه الإشكاليات، يلاحظ أن الكفاح المسلح فى بعض حركاتالتحرر الوطنى قد تصاعد -على الرغم من كافة الصعوبات الهائلة- وصولا إلى الاستقلالالسياسى الكامل، بينما أصيب فى حركات أخرى بانتكاسات واضحة أو -على الأقل- لم يفضإلى نتائج فعالة فى المواجهة مع المشروع الاستعمارى، الأمر الذى يفتح الباب للحديثعن 'النضال السلمي'. وهنا، يمكن الإشارة إلى الملاحظات الأربعالتالية:
الملاحظة الأولى : إن الخيار بين النضال السلمى والكفاح المسلح ليسخيارا 'مبدئيا' فى حركات التحرر الوطنى، وإنما هو خيار يتعلق بالتكتيك، ومن ثم فإنالانتقال من أسلوب إلى آخر أو المزاوجة بينهما -بحسب الظروف- لا تمثل 'تنازلا' أو 'تشددا' أو 'وسطية' فى حد ذاتها، ذلك أن الأمر يجب أن يقاس بالعائد الذى يترتب علىأى أسلوب يتبع من منظور تحقيق حركة التحرر الوطنى لأهدافها. وقد يقال فى هذا الصدد: وما الذى يستطيع النضال السلمى أن يحققه من عائد؟ وهنا نسارع إلى القول إن الخيارالمطروح ليس خيارا بين 'اللاقوة' و'القوة'، فالقوة ليست بالضرورة مسلحة، والمقاطعةالاقتصادية مثلا أسلوب سلمى يمكن أن يرتب نتائج أكثر فعالية بكثير من الكفاح المسلحفى ظروف معينة بالنسبة لعملية التآكل الاستعماري. وقد فشلت بريطانيا فى الهند، لأنالشعب الهندى بقيادة غاندى نجح فى تحويل ضعفه من المنظور المسلح إلى قوة سياسية،وذلك باستخدام وسائل غير مسلحة نجحت فى تقويض الاحتلال وإرادته وثقتهبنفسه.
والملاحظة الثانية: إن الخيار بين النضال السلمى والكفاح المسلح لايبدو بأى حال خيارا نظريا، وذلك بمعنى أن أساليب النضال التى تأخذ بها حركات التحررالوطنى تتبلور من خلال تطور عملية التحرر ذاتها. ولا نقصد بذلك أن نقاشا لا يحدث فىصفوف حركة التحرر الوطنى حول هذه المسألة، ولكننا نقصد معنيين محددين، أولهما : إنهذا الخيار لا يمكن أن يفرض من أعلى بتحليلات أكاديمية على سبيل المثال، أو من خارجالحركة التحررية ذاتها. وثانيهما: إن الانتقال الفعلى إلى أسلوب محدد من أساليبالنضال يحدث على أرض الواقع، عندما يدرك المناضلون جدوى هذا الانتقال. ومع ذلك،فثمة فائدة أكيدة دون شك فى دراسة الخبرات التحررية الأخرى واستخلاص الدروس منها فىهذا الخصوص ووضعها أمام المناضلين لمجرد الاسترشاد بها.
الملاحظة الثالثة: إنه فى مجال المفاضلة بين النضال السلمى والكفاح المسلح، تبدو حجة التحسب لردودالفعل العنيفة من جانب السلطات الاستعمارية إزاء لجوء حركة التحرر الوطنى للكفاحالمسلح حجة واهية، إذ تظهر خبرات التحرر الوطنى أن هذه السلطات قد عاملت كلا منالنضال السلمى والكفاح المسلح بنفس العنف. وليست لدينا بطبيعة الحال أرقام محددة عنضحايا النضال السلمى والنضال المسلح، كل على حدة، حتى نقول إن هذا الأسلوب أكثر 'أمانا' من ذاك. ومن المؤكد أن الشعوب لا تسأل نفسها أصلا مثل هذه الأسئلة الترفيةوهى تواجه الاستغلال والقهر الاستعماريين. لكن الثابت على الأقل أنه لم يكن هناكتناسب على الإطلاق بين رد الفعل الاستعمارى والفعل التحررى السلمي. وتبرز المذابحالجماعية للوطنيين المسالمين فى الهند والجزائر وفلسطين وجنوب إفريقيا وغيرها شاهداعلى ذلك. بل إن عدم التناسب هذا كان فى حد ذاته هو العامل الذى حسم ضرورة الأخذبالكفاح المسلح فى عدد من الحالات.
والملاحظة الرابعة والأخيرة: إن الجدلالنظرى حول الخيار بين النضال السلمى والكفاح المسلح يظهر المسألة - ربما لأنهنظري- وكأنها 'إما' 'أو'، مع أن الخبرات العملية تشير إلى الحدوث الفعلى على أرضالواقع للمزاوجة بين الخيارين. ويشير النموذج العام لتطور حركات التحرر الوطنى إلىنجاحها فى تحقيق هدف الاستقلال السياسى من المستعمر. غير أن هناك تمايزا واضحا فىصور الحصول على هذا الهدف، فهناك من هذه الحركات من نجح فى انتزاع الاستقلالانتزاعا بقوة السلاح، بحيث إن الاتفاق الذى وقع مع المستعمر لم يكن سوى تسليم منهبالأمر الواقع الموجود فى الساحتين العسكرية والسياسية، ويكون الحصول على الاستقلالالسياسى على هذا النحو حلا نهائيا للتناقض السياسى بين الاستعمار وحركات التحررالوطنى لصالح الأخيرة. ويمكن أن نلحق الخبرات الفيتنامية والجزائرية واليمنيةوالأنجولية بصفة عامة بهذه الصورة من صور تحقيق الاستقلال السياسي. غير أن هناك منحركات التحرر الوطنى من حصل على الاستقلال السياسى من خلال تسوية تتضمن حلولا وسطافى إطار التسليم بمطلب الاستقلال بطبيعة الحال، وذلك نتيجة لكون النضال التحررى لميحسم المعركة لصالح حركات التحرر بالكامل. ويمكن أن نستشهد هنا بخبرات التسوية فىالجنوب الإفريقى (زيمبابوى وناميبيا وجنوب إفريقيا).
وتحدث التسوية عادة،لأن حسابات طرفى الصراع تشير بدرجة أو بأخرى إلى وجود مصلحة فى التسوية. فعلىالجانب الاستعمارى، سبقت الإشارة إلى عملية التآكل التى يتعرض لها، والتى يأتى وقتلابد أن يشعر بآثارها الحتمية، وفى هذه اللحظة، يصبح من الحكمة بالنسبة لمعسكرالاستعمار أن يبادر بإظهار المرونة والاستعداد للتسوية، لتحقيق أكثر من هدف، فهو -أولا- يأمل فى أن يحقق له هذا السلوك المرن فترة لالتقاط الأنفاس فى مواجهة تصاعدالنضال التحررى سلميا وعسكريا فى حالة نجاح بالونات المرونة التى يطلقها فى تخديرالحركة الوطنية وإشاعة الانقسام فى صفوفها. وهو يأمل- ثانيا- فى أن يحصل من خلالالمفاوضات على أفضل الشروط، خاصة إذا نجح فى تحقيق الانقسام فى صفوف الوطنيينواستغلاله. وهو يأمل -ثالثا- فى أن يفضى هذا كله إلى ضمان أن يجئ مجتمع ما بعدالاستقلال على النحو الذى يكفل لمصالحه الاستمرار. وإذا كانت هذه هى الدوافع التىتحرك المعسكر الاستعمارى نحو التسوية، فما الذى يدفع حركات التحرر، التى يفترض فيهاأن تكون مسلحة بوعى كامل بحتمية النصر، إلى قبول الحلول الوسط؟ يجب ألا ننسى ونحننحاول الإجابة على هذا السؤال أننا نتحدث عن نضال فعلى وليس عن مجادلات نظرية. وهنا، فإن حركات التحرر الوطنى التى تتعرض بدورها لا للتآكل، فمسارها صاعد تدريجياكما رأينا، وإنما لخسائر مادية وبشرية رهيبة، ولانقسامات شديدة- فى بعض الأحيان- فىصفوفها، ولتناقص أو توقف مصادر الدعم الخارجى فى ظروف معينة. وهنا، يثور الجدلداخلها بقوة حول جدوى القبول بالتفاوض، وقد يؤدى هذا الجدل إلى مزيد من الانقسامكما يطمح العدو، وقد يصل الأمر إلى حد انسلاخ الفصائل الأكثر اعتدالا، والتى تكونعادة الأقل أداء فى ميدان النضال ومسارعتها بالسير فى اتجاه العدو، مما يخلق ضغوطاإضافية على الفصائل الأكثر نضالية فى اتجاه قبول التسوية، وعادة ما ينتهى الأمربقبولها وبدء مرحلة من النضال السياسي. ويكون من الأهمية بمكان هنا أن يأتى هذاالقبول فى التوقيت السليم من وجهة نظر حركات التحرر، والذى يفترض فيه أن يشير إلىتوازن- ولو كان نسبيا- فى القوة بينها وبين معسكر الاستعمار، وإلا فإن قبول التسويةلن يكون سوى بداية لقبول التنازلات.
وتتضمن هذه المرحلة عادة أعمالا تفاوضيةمع العدو، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، وتواجه حركات التحرر الوطنى، هنا، فىسلوكها التفاوضى بمشكلة التنازلات التى يجب أن تقدمها. وفى الواقع أنها ما دامترضيت بدخول المفاوضات فى الإطار السابق، فلابد من توقع أنها ستقدم تنازلات، ويقدمبعضها بالفعل تنازلات واضحة، إما كتكتيك سليم أو كخطأ جسيم، وقد يترتب الخطأ أصلاعلى سوء توقيت قبول التسوية. ومن هنا، فإن شروط التسوية تكون مهمة للغاية فىالعملية النهائية للحصول على الاستقلال، سواء هذه الخاصة بالمرحلة الانتقالية أوتلك المتعلقة بتنظيم مجتمع ما بعد الاستقلال، وقد تؤثر هذه الشروط على أمور بالغةالأهمية، مثل طبيعة القوى الحاكمة فى هذا المجتمع. وهذا يجعل الحديث عن الضماناتالموضوعية لمرحلة ما بعد الاستقلال يكتسب أهمية خاصة، وإن كان هذا موضوعاآخر.
موقع الصراع العربى - الإسرائيلى من جدلية المقاومة والتسوية :
فى محاولة الاستفادة من الدروس السابقة التى أمكن استخلاصها منالخبرات المعاصرة لحركات التحرر الوطنى، يمكن الإشارة إلى ثلاث ملاحظاترئيسية.
تكشف الملاحظة الأولى عن أن الصراع العربى - الإسرائيلى قد سار وفقالنموذج حركات التحرر الوطنى الذى سبقت الإشارة إليه، وقد بدأ النضال التحررىالفلسطينى كرد فعل لتبلور المشروع الصهيونى على فلسطين منذ الربع الأول من القرنالماضى، وما انتفاضة البراق فى العشرينيات وثورة 1936 فى الثلاثينات من ذلك القرنإلا علامتان بارزتان فى هذا الصدد. وعقب إعلان دولة إسرائيل على معظم أراضى فلسطينفى 1948، استمرت المقاومة الفلسطينية المسلحة وإن اتخذت فى البداية طابعا عفويا غيرمنظم، ثم بدأ الكفاح المسلح المنظم فى 1965 على أيدى حركة 'فتح'. وفى 1967 وبعدالهزيمة العربية فى مواجهة العدوان المسلح فى تلك السنة واحتلال أراض تابعة لثلاثدول عربية هى مصر وسوريا والأردن، دخلت هذه الدول على خط استخدام الأداة العسكريةفى الصراع مع إسرائيل، بشكل أو بآخر، كما فى حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية،اعتبارا من عام 1968 وحرب أكتوبر 1973 التى كانت عملا مشتركا بين مصروسوريا.
وإذا كانت الظروف الذاتية والخارجية بالنسبة للنضال الفلسطينىالمسلح قد أدت إلى محدودية نتائجه حتى نهاية الستينيات، فإن هذا النضال فىالسبعينيات، وبصفة خاصة فى الثمانينيات، قد وصل إلى مستوى جماهيرى غير مسبوق، بالغاذروته فى انتفاضة الحجارة فى نهاية ذلك العقد، وتحديدا اعتبارا من ديسمبر 1987 وحتىتفجر أزمة الخليج الثانية باحتلال العراق للكويت فى أغسطس 1990 . وبعد فترة منالهدوء الذى سببته ملابسات التسوية فى العقد الأخير من القرن العشرين، تفجر النضالالفلسطينى المسلح فى شكل انتفاضة الأقصى اعتبارا من سبتمبر 2000 وحتى الآن. وتضافإلى سجل الكفاح العربى المسلح فى الصراع العربى - الإسرائيلى بطبيعة الحال المقاومةاللبنانية التى بزغت اعتبارا من ثمانينيات القرن الماضى وتمحورت لاحقا حول حزبالله.
ويلاحظ أن كافة الإنجازات، التى حققها العرب حتى الآن على صعيد الصراعمع إسرائيل، قد تحققت بفضل المقاومة وحدها، فلم يكن ممكنا أن تقبل إسرائيل الانسحابمن باقى شبه جزيرة سيناء، لو لم تكن القوات المصرية قد أثبتت بأدائها، قبل حربأكتوبر 1973 وأثناءها وبعدها، أنها قادرة على إلحاق الهزيمة بالمحتل أو على الأقلرفع تكلفة بقائه فى شبه جزيرة سيناء إلى درجة لا يحتملها. ولم يكن ممكنا انسحابالقوات الإسرائيلية من لبنان بعد احتلالها فى 1982 بدون المقاومة اللبنانيةوالفلسطينية ضد الاحتلال. ولم يكن ممكنا أن تهرب إسرائيل من الشريط الحدودى الجنوبىفى لبنان فى 2000 بدون مقاومة حزب الله. ولم يكن ممكنا أن تفشل فى تحقيق أهدافها فىلبنان من خلال عدوانها عليه فى صيف 2006 بدون الأداء القتالى الرفيع لحزب الله. وعلى الصعيد الفلسطينى، لم يكن ممكنا أن تقبل إسرائيل الاعتراف بالشعب الفلسطينىومنظمته- كما جاء فى اتفاقية أوسلو 1993- بدون انتفاضة الحجارة. ولم يكن ممكنالشارون أن يتخلى عن قطاع غزة ويفكك مستوطناته الاستعمارية فى 2005 لو لم تتفجرانتفاضة الأقصى، وتفشل القوات الإسرائيلية، المرة تلو المرة، فى القضاء عليها. ومنمنظور زمنى ممتد، فإن تحول السياسة الإسرائيلية من اعتبار الضفة والقطاع بالكاملأراضى إسرائيلية محررة إلى قبول فكرة إنشاء دولة فلسطين على جزء منها- مهما يكن هذاالجزء ضئيلا- ليس إلا ثمرة من ثمار المقاومة.
تظهر الملاحظة الثانية أنالصراع العربى - الإسرائيلى قد دخل أيضا مسار التسوية، وفقا للنموذج السابق بيانهلحركات التحرر الوطنى المعاصرة. غير أن المشكلة أن الطرف العربى قبل مبدأ التسويةفى لحظة انكسار (هزيمة يونيو 1967)، ولذلك ظل نموذج التسوية مع إسرائيل متأثرا بهذهالحقيقة التى تشير إلى خلل بنيوى فى ميزان القوى العربى - الإسرائيلي. ولذلك، فإنالتسويات العربية - الإسرائيلية إما أنها لم تتم أصلا (المسار السوري)، وإما أنهاتمت وإن بشكل لا يحقق تطلعات الطرف العربى بالكامل، كما فى المسار المصرى، الذىتعيب التسوية فيه الشروط المتعلقة بتوزيع القوات المصرية فى شبه جزيرة سيناء، وبصفةخاصة فيما يتعلق بالمنطقة الفاصلة بين مصر وإسرائيل، وهو توزيع ثبت مؤخرا أنه غيرقادر على التصدى لاجتياح جماهيرى، فما بالنا بعدوان من دولة إقليمية كبري؟ وإماأنها- أى التسويات العربية - الإسرائيلية -قد انتكست دوما وعادت إلى نقطة الصفر (اتفاقية كامب ديفيد الثانية الخاصة بتسوية الصراع العربى - الإسرائيلى علىالمسارين الأردنى والفلسطينى فى 1978- اتفاقية أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحريرالفلسطينية فى 1993- خريطة الطريق الأمريكية 2003). ويلاحظ أن ثمة إنجازات لافتة قدتحققت دون تسويات أصلا، كما فى طرد القوات الإسرائيلية من لبنان بعد واقعة احتلالهفى 1982، ثم من الشريط الحدودى الجنوبى فى ذلك البلد فى 2000، ثم التصدى الناجحللعدوان الإسرائيلى فى 6002. ويعنى ما سبق أن الخلل فى ميزان القوى العربى - الإسرائيلى ما زال قيدا على إمكان التوصل إلى تسوية شاملة ومتوازنة- ولا نقولعادلة- فى الصراع، وأن ثمة جهدا فائقا ينبغى بذله لتصحيح ذلك الخلل من خلال استمرارمقاومة الاحتلال وتصعيدها، غير أن المعضلة العربية عامة والفلسطينية خاصة تشير إلىأن هذه المقاومة تواجه فى الوقت الراهن ومنذ عدة سنوات صعوبات هائلة على النحو الذىيمثل قيدا واضحا على إنجازاتها، وهو ما ينقلنا إلى الملاحظة التالية.
فى هذهالملاحظة الثالثة والأخيرة، نشير إلى أن المقاومة العربية فى الصراع مع إسرائيلتواجه صعوبات على كافة الأصعدة على النحو التالي.
فعلى الصعيد العالمى، نجحتإسرائيل فى أن تستغل توجهات إدارة الرئيس الأمريكى جورج بوش الابن، خاصة عقب أحداثالحادى عشر من سبتمبر 2001، فى أن تقنع هذه الإدارة بأن ثمة تطابقا بين حربهاالعالمية على الإرهاب وبين حرب إسرائيل على المقاومة الفلسطينية، وبالتالى تبنت هذهالإدارة من المواقف ما عقد الأمور كثيرا بالنسبة للمقاومة، ووصل إلى ذورة جديدة فىالانحياز إلى إسرائيل ودعمها. وهكذا، أصبحت الإدارة الأمريكية ترى أن السلام فىالشرق الأوسط مرتهن بيد حفنة من الإرهابيين (خطاب الرئيس الأمريكى جورج بوش فىيونيو 2002)، وبالتالى فإنه يبدأ بالقضاء عليهم (وليس بتغيير سياسة الاحتلالالإسرائيلى أو حتى تعديلها)، وأصبح الرئيس جورج بوش نفسه لا يرى أن عودة اللاجئينإلى وطنهم أمر عملى، وكذلك الحال بالنسبة لتفكيك الكتل الاستيطانية الكبرى فى الضفةالغربية (المؤتمر الصحفى مع رئيس الوزراء الإسرائيلى أرييل شارون فى أبريل 2004) كما أخذ يؤكد علينا، وبصفة خاصة فى سنتى 2007 و2008، دعمه لمبدأ يهودية الدولةالإسرائيلية بكل ما ينطوى عليه من تداعيات فادحة.
وعلى الصعيد الإقليمى،تراجع التأييد العربى للمقاومة الفلسطينية على نحو لافت. ويبدو معقولا أن مرد هذاالتراجع إلى عاملين، أحدهما ذاتى والآخر خارجي. أما العامل الذاتى، فهو انفضاض عددمن الدول العربية من حول المقاومة الفلسطينية عقب رهانها الخاسر على صدام حسين إباناحتلاله للكويت فى 1990 . وأما العامل الخارجى، فهو تأثر الحسابات العربية بالموقفالأمريكى من المقاومة السابق الإشارة إليه.
وهكذا، تحول النظام العربىالرسمى من المبادرة بتأسيس المقاومة الفلسطينية وتبنيها (كما فى قمتى القاهرةوالإسكندرية فى 1964) وحمايتها من مخاطر الصدام مع الدول التى تعمل على أراضيها (كما فى قمة القاهرة 1970) إلى الاكتفاء بدعمها لفظيا واقتصاديا (كما فى القمم التىعقدت عقب انتفاضة الحجارة 1987 وانتفاضة الأقصى 2000) إلى المشاركة فى حصارها بلولومها، كما هو الحال منذ عام 2006 بعد فوز حماس بالانتخابات التشريعية فى مطلع تلكالسنة، وإبان العدوان الإسرائيلى على لبنان فى صيف 6002. ويلاحظ أن الدعم الإيرانىللمقاومة اللبنانية والفلسطينية قد تبلور فى إطار هذا الفراغ الذى نجم عن تخلىالنظام العربى عن المقاومة.
وعلى الصعيد الفلسطينى، وقعت المقاومة فى الشركالذى نصبته لها اتفاقيات أوسلو 1993 بقبولها - أى المقاومة- فكرة تأسيس سلطة فى ظلالاحتلال. وعن طريق هذا القبول، تم تحييد أهم فصائل المقاومة الفلسطينية فى حينه،وهى حركة فتح التى تحولت من قوة مقاومة ضد إسرائيل إلى شرطة محلية تقف بينها وبينالشعب الفلسطينى، ناهيك عن آثار انغماسها فى 'الحكم' ومغانمه. وفى البدء، نأت 'حماس'- أهم فصيل مقاوم بعد فتح- بنفسها عن المشاركة فى لعبة أوسلو، غير أنها غيرتتوجهها الاستراتيجى، عندما قررت خوض الانتخابات التشريعية فى مطلع 2006 . وبفوزحماس بهذه الانتخابات، انضمت إلى شقيقتها فتح فى ابتلاع طعم السلطة الذى يتناقض معمنطق حركات التحرر الوطنى القائم على الكر والفر، فأصبح لحماس مقار رسمية يمكنتدميرها بصواريخ إسرائيلية وقيادات علنية يمكن اغتيالها. وهكذا، تراجع الأداءالمقاوم لحماس.
وزادت الأمور سوءا بالحصار الذى فرض على حماس من قبل فتحبقيادة رئيس السلطة الوطنية المنتمى إليها، وهو الأمر الذى أفضى إلى الصدام المسلحالكامل بين الحركتين فى يونيو 2007 ، والذى وصل بالمقاومة الفلسطينية إلى أخطرمراحلها بانشغال فصيليها الرئيسيين بترسيخ وجود كل منهما على الأرض التى يقف عليهافى مواجهة شقيقه، مما يمكن تصور تأثيره الفادح على 'فعل المقاومة' وإمكانات التسويةمعا. فالمقاومة تخسر، بداهة، ولو جزءا من إمكاناتها بسبب هذا الصدام، وعمليةالتسوية مستحيلة فى ظل وجود رأس للسلطة الفلسطينية لا يسيطر على كافة أراضى ما يسمىبالحكم الذاتى الفلسطيني.
وعلى الصعيد الفكرى، تواجه المقاومة بأنصار 'ثقافةالخنوع' الذين لا يفتأون يؤكدون أن طريقها مسدود، وأن جريمتها فى حق شعبها لاتغتفر، أو أنها بأعمالها غير الناضجة (كإطلاق الصواريخ على سبيل المثال) لا تتسببإلا فى مزيد من العنف الذى تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. وهذا المنطق مردود،أولا لأن النهج البديل (أىالتسوية) عقيم، وسيبقى كذلك دون ممارسة فعل مقاوم حقيقي. وثانيا، لأن تاريخ المشروع الصهيونى على أرض فلسطين - كأى مشروع استعماري- يشير إلىأن العنف المفرط سمة من سمات الاستعمار، بغض النظر عن أعمال المقاومة المضادة له. وهل يمكن - على سبيل المثال- أن نقارن العنف الإسرائيلى الحالى الذى يرده أنصارثقافة الخنوع إلى إطلاق الصواريخ الفلسطينية بالعنف الذى مورس ضد الشعب الفلسطينىلحظة نشأة دولة إسرائيل وعقبها ؟
ختام :
هكذا، تبدومعضلة المقاومة/التسوية فى الوضع العربى فى سياق الصراع مع إسرائيل. فالتسويةمستحيلة، لأن ثمة خللا بنيويا فى ميزان القوى العربى - الإسرائيلى يجعل دولةالاحتلال فى غير عجلة من أمرها لإنجاز تسوية، والمقاومة تواجه صعوبات هائلة بسببالمتغيرات التى أشير إليها فى السابق. ولكى يصل العرب والفلسطينيون إلى تسويةمتوازنة، فإن ثمة جهدا خارقا يتعين عليهم بذله، يبدأ بإعادة الوحدة الوطنيةالفلسطينية، والتخلص من أوهام أوسلو (السلطة الوطنية فى ظل الاحتلال)، والتفرغ بدلامن ذلك لمهمة إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية فى ظل المتغيرات الجديدة. فليسمعقولا أن تكون المنظمة- وفقا لقرار القمة العربية فى الرباط فى 1974 -هى الممثلالشرعى والوحيد للشعب الفلسطينى، دون أن يكون فيها تمثيل لحماس. فإذا نجحالفلسطينيون والعرب فى مهمة إعادة البناء هذه، أصبح بمقدورهم أن يديروا حوارا حولالاستراتيجية المثلى للنضال مع إسرائيل، والتى يجب أن تتبنى رؤية واضحة ومتماسكةلإدارة الصراع، وتحدد أدوات النضال لتحقيق هذه الرؤية، بدءا بالعمل الدبلوماسىوالإعلامى، ومرورا بالمقاطعة الاقتصادية والعصيان المدنى، وانتهاء بالنضال المسلح. وعلى الظهير العربى للمقاومة أن يدرك أن نكوصه عن دعم هذه المهام المطلوبة لن يكونله من نتيجة سوى زيادة الاختراق الإيرانى والأمريكى للنظام العربى، ما دام يتوانىعن الوفاء بمهامه الأساسية.
* د. أحمد يوسف أحمد
مقالات ..... (قسم خاص: كيف أدار العرب الصراع مع إسرائيل؟)
فى صراع مصيرى، كالصراع العربى - الإسرائيلى، تكتسب الأسئلة حولالطرق المثلى لإدارته أهمية فائقة، إذ يترتب على الإجابات الصحيحة لهذه الأسئلةإمكان تحقيق طرف ما لأهدافه، أو على الأقل لجزء منها. وبعد مرور ستين عاما على نشأةدولة إسرائيل، التى تعد علامة فارقة فى تطور هذا الصراع، يزداد إلحاح الحاجة إلىالبحث عن الإجابات الصحيحة، خاصة أن كلا من نهجى المقاومة والتسوية يبدو مأزوما،ولذلك فإن من شأن البحث أن يساعد على إيضاح الأمور، ومن ثم اتخاذ قرارات رشيدة فىإدارة الصراع.
المقاومة أو التسوية .. دروس الخبرة العملية :
يشتد الجدل فى الآونة الراهنة على الصعيد العربى عامة والفلسطينىخاصة حول نهجى التسوية والمقاومة، خاصة وقد انفرط عقد فصيلى المقاومة، الرئيسيين فىفلسطين، جغرافيا وسياسيا، بسيطرة حماس المتبنية خيار المقاومة على قطاع غزة، وسيطرةفتح التى تتبنى قيادتها خيار التسوية على الضفة الغربية. فهل يمكن أن تقدم القراءةالمقارنة لخبرات التحرر الوطنى المعاصرة دروسا مفيدة فى هذا الصدد؟
كقانونعام، يكون التناقض بين المشروع الاستعمارى والوطنى واضحا منذ بدايته، فيؤدى إلىإرهاصات لمقاومة وطنية عفوية للاستعمار تأخذ عادة فى البداية الطابع العنيف، ربمالتصور جدواها فى دحض المشروع الاستعمارى، نظرا لعدم الإلمام بأبعاده المتكاملة ومدىضراوته. ومع مرور الوقت، 'تتعلم' الحركات الوطنية المزيد عن المشاريع الاستعماريةفتهدأ إلى حين، و'تتعلم' السلطات الاستعمارية المزيد عن حركات التحرر الوطنى فتحسنأساليبها فى مواجهتها. غير أن التناقض يأخذ فى التجذر مرحلة بعد مرحلة فتستمر هذهالحركات فى نضالها وتوسع نطاقه أفقيا على المستويين: الاجتماعى بضم طبقات جديدةللنضال، والجغرافى بانتشار مكانى أوسع له، وتطور أساليبه رأسيا على مستوى أشكالالنضال وأدواته. فاستمرار حركات التحرر الوطنى فى نضالها ليس إذن مجرد نبض روتينىيشير إلى بقاء الحياة، وإنما هو إرادة فعل متزايدة تتحرك بثبات بسرعة أحيانا،وببطء- فى أغلب الأحيان- نحو تحقيق أهدافها. ولا يعنى الاستمرار -كما تشير خبراتأغلب حركات التحرر الوطني- النضال اليومى الذى لا يتوقف لحظة واحدة، فهناك التوقفالذى أعقب الهزائم والنكسات التى بقيت بالمنظور التاريخى ظاهرة مؤقتة فى المسارالعام لعملية التحرر الوطنى، وهناك التوقف الذى كان يعنى إعادة الحسابات والتخطيطللمواجهة.
ويؤدى هذا المسار المستمر تاريخيا والمتصاعد موضوعيا لحركاتالتحرر الوطنى إلى آلية أكيدة لتآكل المشروعات الاستعمارية، نتيجة للضرر المتزايدالذى تلحقه هذه الحركات بمستعمريها. وفى البداية، يصل الإخفاق فى إدراك حقيقةالموقف وجوهر التاريخ من قبل المستعمرين إلى حد 'العمي' الكامل، فيتصورون أن حركاتالتحرر الوطنى ما هى إلا ظواهر مؤقتة تطفح على جلد المشروعات الاستعمارية، فيعملونعلى استئصالها بإعمال القوانين والنظم الاستعمارية من خلال استخدام مكثف لأدواتالإكراه. ويرتبط ذلك عادة بمواقف سياسية بالغة التطرف ضد مطالب هذه الحركات، تكونهى فى حد ذاتها بعد ذلك خير دليل على بداية التآكل الحقيقى فى المشروع الاستعمارى،عندما تبدأ هذه المواقف فى التغيير تحت وطأة الضغط المستمر والضربات المتزايدةلحركات التحرر. وعند نقطة معينة، يكون من الواضح أن تكلفة المشروع الاستعمارى قدأصبحت تفوق العائد المترتب عليه، وعادة ما يستمر 'العمي' لدى نظام الحكم القائم فىالدولة الاستعمارية، فلا تحدث الاستجابة المطلوبة للمتغيرات الجديدة النابعة منبيئة حركات التحرر الوطني. وهنا، تصل آلية التآكل إلى قمتها بحدوث تغيرات سياسية فىمعسكر المستعمر، قد تكون جذرية فى بعض الأحيان، وتضطلع السلطة الجديدة فى الدولالاستعمارية بمهمة التكيف مع حركات التحرر الوطنى بضرورة التسليم بمطلبها فىالاستقلال السياسي.
ومن الأهمية بمكان أن نناقش، فى سياق تحليل ظاهرةالمقاومة الوطنية لعمليات الاستعمار والاحتلال الأجنبيين، العلاقة الجدلية بينالكفاح المسلح والنضال السلمي. فليس صحيحا أن كل مقاومة ينبغى أن تكون مسلحة، أويستحسن أن تكون ذات طابع سلمى، إذ تظهر القراءة المتأنية لمسار حركات التحرر الوطنىمن منظور أساليب النضال أن ثمة نموذجا يكاد يكون عاما، تتكشف أبعاده من خلال هذاالمسار. فتطبيق المشروعات الاستعمارية على أرض الواقع، من خلال الغزو العسكرى بصفةخاصة، يولد إرادة المقاومة لدى الشعوب التى تستهدفها هذه المشروعات، تنعكس فى شكلمقاومة عنيفة لهذا الغزو. غير أن الخلل العام فى ميزان القوى بين الاستعماريينوالوطنيين يؤدى بعد فترة تطول أو تقصر- وفقا للظروف الخاصة بكل حالة على حدة- إلىإخماد المقاومة العنيفة للوطنيين.
وتمر مرحلةمن السكون، من الواضح أنالمجتمع المقهور يتأمل خلالها فى كل ما جرى، ويعيد حسابات المواجهة، وذلك فى الوقتالذى تكون فيه أبعاد المشروع الاستعمارى قد بدأت تتكشف شيئا فشيئا عن أبشع صورالاستغلال والقهر لجماهير الوطنيين. وتبرز المقاومة من جديد، باعتبارها الطريقالوحيد والحتمى للخلاص، غير أنها تأخذ فى البداية الطابع السلمى السياسى، ربماللوعى بالخلل الهائل بين معسكر الاستعمار ومعسكر التحرر. وتبرز طلائع من الوطنيينلقيادة عملية المقاومة، ويتم بالتدريج جذب مزيد من القوى الاجتماعية فى عدد أكبر منالمناطق إلى معسكر التحرر. وفى لحظة معينة، يتأكد إفلاس الطابع السلمى السياسىوحده، وتبرز ضرورة إدخال الكفاح المسلح فى المجرى العام للنضال، وتنطلق الشرارةالأولى فى اللحظة التى تثق فيها طلائع التحرر فى قدرتها على تحقيق النصر. لكن تبنىالكفاح المسلح لا يعنى فى حد ذاته انتهاء المشكلات، فهناك بطبيعة الحال مشكلاتمواجهة العنف المضاد من الاستعماريين، وهناك مشكلة العلاقة بين النضال العسكرىوالنضال السياسى، خاصة عندما يكون لكل من الأسلوبين رجاله، وهناك مشكلة الدعمالخارجى للكفاح المسلح، والذى يتوقف على ظروف لا تسيطر عليها هذه الحركات بطبيعةالحال، وتؤدى هذه الظروف فى أحيان غير قليلة إلى تقلبات غير مواتية فى هذاالدعم.
وفى مواجهة هذه الإشكاليات، يلاحظ أن الكفاح المسلح فى بعض حركاتالتحرر الوطنى قد تصاعد -على الرغم من كافة الصعوبات الهائلة- وصولا إلى الاستقلالالسياسى الكامل، بينما أصيب فى حركات أخرى بانتكاسات واضحة أو -على الأقل- لم يفضإلى نتائج فعالة فى المواجهة مع المشروع الاستعمارى، الأمر الذى يفتح الباب للحديثعن 'النضال السلمي'. وهنا، يمكن الإشارة إلى الملاحظات الأربعالتالية:
الملاحظة الأولى : إن الخيار بين النضال السلمى والكفاح المسلح ليسخيارا 'مبدئيا' فى حركات التحرر الوطنى، وإنما هو خيار يتعلق بالتكتيك، ومن ثم فإنالانتقال من أسلوب إلى آخر أو المزاوجة بينهما -بحسب الظروف- لا تمثل 'تنازلا' أو 'تشددا' أو 'وسطية' فى حد ذاتها، ذلك أن الأمر يجب أن يقاس بالعائد الذى يترتب علىأى أسلوب يتبع من منظور تحقيق حركة التحرر الوطنى لأهدافها. وقد يقال فى هذا الصدد: وما الذى يستطيع النضال السلمى أن يحققه من عائد؟ وهنا نسارع إلى القول إن الخيارالمطروح ليس خيارا بين 'اللاقوة' و'القوة'، فالقوة ليست بالضرورة مسلحة، والمقاطعةالاقتصادية مثلا أسلوب سلمى يمكن أن يرتب نتائج أكثر فعالية بكثير من الكفاح المسلحفى ظروف معينة بالنسبة لعملية التآكل الاستعماري. وقد فشلت بريطانيا فى الهند، لأنالشعب الهندى بقيادة غاندى نجح فى تحويل ضعفه من المنظور المسلح إلى قوة سياسية،وذلك باستخدام وسائل غير مسلحة نجحت فى تقويض الاحتلال وإرادته وثقتهبنفسه.
والملاحظة الثانية: إن الخيار بين النضال السلمى والكفاح المسلح لايبدو بأى حال خيارا نظريا، وذلك بمعنى أن أساليب النضال التى تأخذ بها حركات التحررالوطنى تتبلور من خلال تطور عملية التحرر ذاتها. ولا نقصد بذلك أن نقاشا لا يحدث فىصفوف حركة التحرر الوطنى حول هذه المسألة، ولكننا نقصد معنيين محددين، أولهما : إنهذا الخيار لا يمكن أن يفرض من أعلى بتحليلات أكاديمية على سبيل المثال، أو من خارجالحركة التحررية ذاتها. وثانيهما: إن الانتقال الفعلى إلى أسلوب محدد من أساليبالنضال يحدث على أرض الواقع، عندما يدرك المناضلون جدوى هذا الانتقال. ومع ذلك،فثمة فائدة أكيدة دون شك فى دراسة الخبرات التحررية الأخرى واستخلاص الدروس منها فىهذا الخصوص ووضعها أمام المناضلين لمجرد الاسترشاد بها.
الملاحظة الثالثة: إنه فى مجال المفاضلة بين النضال السلمى والكفاح المسلح، تبدو حجة التحسب لردودالفعل العنيفة من جانب السلطات الاستعمارية إزاء لجوء حركة التحرر الوطنى للكفاحالمسلح حجة واهية، إذ تظهر خبرات التحرر الوطنى أن هذه السلطات قد عاملت كلا منالنضال السلمى والكفاح المسلح بنفس العنف. وليست لدينا بطبيعة الحال أرقام محددة عنضحايا النضال السلمى والنضال المسلح، كل على حدة، حتى نقول إن هذا الأسلوب أكثر 'أمانا' من ذاك. ومن المؤكد أن الشعوب لا تسأل نفسها أصلا مثل هذه الأسئلة الترفيةوهى تواجه الاستغلال والقهر الاستعماريين. لكن الثابت على الأقل أنه لم يكن هناكتناسب على الإطلاق بين رد الفعل الاستعمارى والفعل التحررى السلمي. وتبرز المذابحالجماعية للوطنيين المسالمين فى الهند والجزائر وفلسطين وجنوب إفريقيا وغيرها شاهداعلى ذلك. بل إن عدم التناسب هذا كان فى حد ذاته هو العامل الذى حسم ضرورة الأخذبالكفاح المسلح فى عدد من الحالات.
والملاحظة الرابعة والأخيرة: إن الجدلالنظرى حول الخيار بين النضال السلمى والكفاح المسلح يظهر المسألة - ربما لأنهنظري- وكأنها 'إما' 'أو'، مع أن الخبرات العملية تشير إلى الحدوث الفعلى على أرضالواقع للمزاوجة بين الخيارين. ويشير النموذج العام لتطور حركات التحرر الوطنى إلىنجاحها فى تحقيق هدف الاستقلال السياسى من المستعمر. غير أن هناك تمايزا واضحا فىصور الحصول على هذا الهدف، فهناك من هذه الحركات من نجح فى انتزاع الاستقلالانتزاعا بقوة السلاح، بحيث إن الاتفاق الذى وقع مع المستعمر لم يكن سوى تسليم منهبالأمر الواقع الموجود فى الساحتين العسكرية والسياسية، ويكون الحصول على الاستقلالالسياسى على هذا النحو حلا نهائيا للتناقض السياسى بين الاستعمار وحركات التحررالوطنى لصالح الأخيرة. ويمكن أن نلحق الخبرات الفيتنامية والجزائرية واليمنيةوالأنجولية بصفة عامة بهذه الصورة من صور تحقيق الاستقلال السياسي. غير أن هناك منحركات التحرر الوطنى من حصل على الاستقلال السياسى من خلال تسوية تتضمن حلولا وسطافى إطار التسليم بمطلب الاستقلال بطبيعة الحال، وذلك نتيجة لكون النضال التحررى لميحسم المعركة لصالح حركات التحرر بالكامل. ويمكن أن نستشهد هنا بخبرات التسوية فىالجنوب الإفريقى (زيمبابوى وناميبيا وجنوب إفريقيا).
وتحدث التسوية عادة،لأن حسابات طرفى الصراع تشير بدرجة أو بأخرى إلى وجود مصلحة فى التسوية. فعلىالجانب الاستعمارى، سبقت الإشارة إلى عملية التآكل التى يتعرض لها، والتى يأتى وقتلابد أن يشعر بآثارها الحتمية، وفى هذه اللحظة، يصبح من الحكمة بالنسبة لمعسكرالاستعمار أن يبادر بإظهار المرونة والاستعداد للتسوية، لتحقيق أكثر من هدف، فهو -أولا- يأمل فى أن يحقق له هذا السلوك المرن فترة لالتقاط الأنفاس فى مواجهة تصاعدالنضال التحررى سلميا وعسكريا فى حالة نجاح بالونات المرونة التى يطلقها فى تخديرالحركة الوطنية وإشاعة الانقسام فى صفوفها. وهو يأمل- ثانيا- فى أن يحصل من خلالالمفاوضات على أفضل الشروط، خاصة إذا نجح فى تحقيق الانقسام فى صفوف الوطنيينواستغلاله. وهو يأمل -ثالثا- فى أن يفضى هذا كله إلى ضمان أن يجئ مجتمع ما بعدالاستقلال على النحو الذى يكفل لمصالحه الاستمرار. وإذا كانت هذه هى الدوافع التىتحرك المعسكر الاستعمارى نحو التسوية، فما الذى يدفع حركات التحرر، التى يفترض فيهاأن تكون مسلحة بوعى كامل بحتمية النصر، إلى قبول الحلول الوسط؟ يجب ألا ننسى ونحننحاول الإجابة على هذا السؤال أننا نتحدث عن نضال فعلى وليس عن مجادلات نظرية. وهنا، فإن حركات التحرر الوطنى التى تتعرض بدورها لا للتآكل، فمسارها صاعد تدريجياكما رأينا، وإنما لخسائر مادية وبشرية رهيبة، ولانقسامات شديدة- فى بعض الأحيان- فىصفوفها، ولتناقص أو توقف مصادر الدعم الخارجى فى ظروف معينة. وهنا، يثور الجدلداخلها بقوة حول جدوى القبول بالتفاوض، وقد يؤدى هذا الجدل إلى مزيد من الانقسامكما يطمح العدو، وقد يصل الأمر إلى حد انسلاخ الفصائل الأكثر اعتدالا، والتى تكونعادة الأقل أداء فى ميدان النضال ومسارعتها بالسير فى اتجاه العدو، مما يخلق ضغوطاإضافية على الفصائل الأكثر نضالية فى اتجاه قبول التسوية، وعادة ما ينتهى الأمربقبولها وبدء مرحلة من النضال السياسي. ويكون من الأهمية بمكان هنا أن يأتى هذاالقبول فى التوقيت السليم من وجهة نظر حركات التحرر، والذى يفترض فيه أن يشير إلىتوازن- ولو كان نسبيا- فى القوة بينها وبين معسكر الاستعمار، وإلا فإن قبول التسويةلن يكون سوى بداية لقبول التنازلات.
وتتضمن هذه المرحلة عادة أعمالا تفاوضيةمع العدو، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، وتواجه حركات التحرر الوطنى، هنا، فىسلوكها التفاوضى بمشكلة التنازلات التى يجب أن تقدمها. وفى الواقع أنها ما دامترضيت بدخول المفاوضات فى الإطار السابق، فلابد من توقع أنها ستقدم تنازلات، ويقدمبعضها بالفعل تنازلات واضحة، إما كتكتيك سليم أو كخطأ جسيم، وقد يترتب الخطأ أصلاعلى سوء توقيت قبول التسوية. ومن هنا، فإن شروط التسوية تكون مهمة للغاية فىالعملية النهائية للحصول على الاستقلال، سواء هذه الخاصة بالمرحلة الانتقالية أوتلك المتعلقة بتنظيم مجتمع ما بعد الاستقلال، وقد تؤثر هذه الشروط على أمور بالغةالأهمية، مثل طبيعة القوى الحاكمة فى هذا المجتمع. وهذا يجعل الحديث عن الضماناتالموضوعية لمرحلة ما بعد الاستقلال يكتسب أهمية خاصة، وإن كان هذا موضوعاآخر.
موقع الصراع العربى - الإسرائيلى من جدلية المقاومة والتسوية :
فى محاولة الاستفادة من الدروس السابقة التى أمكن استخلاصها منالخبرات المعاصرة لحركات التحرر الوطنى، يمكن الإشارة إلى ثلاث ملاحظاترئيسية.
تكشف الملاحظة الأولى عن أن الصراع العربى - الإسرائيلى قد سار وفقالنموذج حركات التحرر الوطنى الذى سبقت الإشارة إليه، وقد بدأ النضال التحررىالفلسطينى كرد فعل لتبلور المشروع الصهيونى على فلسطين منذ الربع الأول من القرنالماضى، وما انتفاضة البراق فى العشرينيات وثورة 1936 فى الثلاثينات من ذلك القرنإلا علامتان بارزتان فى هذا الصدد. وعقب إعلان دولة إسرائيل على معظم أراضى فلسطينفى 1948، استمرت المقاومة الفلسطينية المسلحة وإن اتخذت فى البداية طابعا عفويا غيرمنظم، ثم بدأ الكفاح المسلح المنظم فى 1965 على أيدى حركة 'فتح'. وفى 1967 وبعدالهزيمة العربية فى مواجهة العدوان المسلح فى تلك السنة واحتلال أراض تابعة لثلاثدول عربية هى مصر وسوريا والأردن، دخلت هذه الدول على خط استخدام الأداة العسكريةفى الصراع مع إسرائيل، بشكل أو بآخر، كما فى حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية،اعتبارا من عام 1968 وحرب أكتوبر 1973 التى كانت عملا مشتركا بين مصروسوريا.
وإذا كانت الظروف الذاتية والخارجية بالنسبة للنضال الفلسطينىالمسلح قد أدت إلى محدودية نتائجه حتى نهاية الستينيات، فإن هذا النضال فىالسبعينيات، وبصفة خاصة فى الثمانينيات، قد وصل إلى مستوى جماهيرى غير مسبوق، بالغاذروته فى انتفاضة الحجارة فى نهاية ذلك العقد، وتحديدا اعتبارا من ديسمبر 1987 وحتىتفجر أزمة الخليج الثانية باحتلال العراق للكويت فى أغسطس 1990 . وبعد فترة منالهدوء الذى سببته ملابسات التسوية فى العقد الأخير من القرن العشرين، تفجر النضالالفلسطينى المسلح فى شكل انتفاضة الأقصى اعتبارا من سبتمبر 2000 وحتى الآن. وتضافإلى سجل الكفاح العربى المسلح فى الصراع العربى - الإسرائيلى بطبيعة الحال المقاومةاللبنانية التى بزغت اعتبارا من ثمانينيات القرن الماضى وتمحورت لاحقا حول حزبالله.
ويلاحظ أن كافة الإنجازات، التى حققها العرب حتى الآن على صعيد الصراعمع إسرائيل، قد تحققت بفضل المقاومة وحدها، فلم يكن ممكنا أن تقبل إسرائيل الانسحابمن باقى شبه جزيرة سيناء، لو لم تكن القوات المصرية قد أثبتت بأدائها، قبل حربأكتوبر 1973 وأثناءها وبعدها، أنها قادرة على إلحاق الهزيمة بالمحتل أو على الأقلرفع تكلفة بقائه فى شبه جزيرة سيناء إلى درجة لا يحتملها. ولم يكن ممكنا انسحابالقوات الإسرائيلية من لبنان بعد احتلالها فى 1982 بدون المقاومة اللبنانيةوالفلسطينية ضد الاحتلال. ولم يكن ممكنا أن تهرب إسرائيل من الشريط الحدودى الجنوبىفى لبنان فى 2000 بدون مقاومة حزب الله. ولم يكن ممكنا أن تفشل فى تحقيق أهدافها فىلبنان من خلال عدوانها عليه فى صيف 2006 بدون الأداء القتالى الرفيع لحزب الله. وعلى الصعيد الفلسطينى، لم يكن ممكنا أن تقبل إسرائيل الاعتراف بالشعب الفلسطينىومنظمته- كما جاء فى اتفاقية أوسلو 1993- بدون انتفاضة الحجارة. ولم يكن ممكنالشارون أن يتخلى عن قطاع غزة ويفكك مستوطناته الاستعمارية فى 2005 لو لم تتفجرانتفاضة الأقصى، وتفشل القوات الإسرائيلية، المرة تلو المرة، فى القضاء عليها. ومنمنظور زمنى ممتد، فإن تحول السياسة الإسرائيلية من اعتبار الضفة والقطاع بالكاملأراضى إسرائيلية محررة إلى قبول فكرة إنشاء دولة فلسطين على جزء منها- مهما يكن هذاالجزء ضئيلا- ليس إلا ثمرة من ثمار المقاومة.
تظهر الملاحظة الثانية أنالصراع العربى - الإسرائيلى قد دخل أيضا مسار التسوية، وفقا للنموذج السابق بيانهلحركات التحرر الوطنى المعاصرة. غير أن المشكلة أن الطرف العربى قبل مبدأ التسويةفى لحظة انكسار (هزيمة يونيو 1967)، ولذلك ظل نموذج التسوية مع إسرائيل متأثرا بهذهالحقيقة التى تشير إلى خلل بنيوى فى ميزان القوى العربى - الإسرائيلي. ولذلك، فإنالتسويات العربية - الإسرائيلية إما أنها لم تتم أصلا (المسار السوري)، وإما أنهاتمت وإن بشكل لا يحقق تطلعات الطرف العربى بالكامل، كما فى المسار المصرى، الذىتعيب التسوية فيه الشروط المتعلقة بتوزيع القوات المصرية فى شبه جزيرة سيناء، وبصفةخاصة فيما يتعلق بالمنطقة الفاصلة بين مصر وإسرائيل، وهو توزيع ثبت مؤخرا أنه غيرقادر على التصدى لاجتياح جماهيرى، فما بالنا بعدوان من دولة إقليمية كبري؟ وإماأنها- أى التسويات العربية - الإسرائيلية -قد انتكست دوما وعادت إلى نقطة الصفر (اتفاقية كامب ديفيد الثانية الخاصة بتسوية الصراع العربى - الإسرائيلى علىالمسارين الأردنى والفلسطينى فى 1978- اتفاقية أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحريرالفلسطينية فى 1993- خريطة الطريق الأمريكية 2003). ويلاحظ أن ثمة إنجازات لافتة قدتحققت دون تسويات أصلا، كما فى طرد القوات الإسرائيلية من لبنان بعد واقعة احتلالهفى 1982، ثم من الشريط الحدودى الجنوبى فى ذلك البلد فى 2000، ثم التصدى الناجحللعدوان الإسرائيلى فى 6002. ويعنى ما سبق أن الخلل فى ميزان القوى العربى - الإسرائيلى ما زال قيدا على إمكان التوصل إلى تسوية شاملة ومتوازنة- ولا نقولعادلة- فى الصراع، وأن ثمة جهدا فائقا ينبغى بذله لتصحيح ذلك الخلل من خلال استمرارمقاومة الاحتلال وتصعيدها، غير أن المعضلة العربية عامة والفلسطينية خاصة تشير إلىأن هذه المقاومة تواجه فى الوقت الراهن ومنذ عدة سنوات صعوبات هائلة على النحو الذىيمثل قيدا واضحا على إنجازاتها، وهو ما ينقلنا إلى الملاحظة التالية.
فى هذهالملاحظة الثالثة والأخيرة، نشير إلى أن المقاومة العربية فى الصراع مع إسرائيلتواجه صعوبات على كافة الأصعدة على النحو التالي.
فعلى الصعيد العالمى، نجحتإسرائيل فى أن تستغل توجهات إدارة الرئيس الأمريكى جورج بوش الابن، خاصة عقب أحداثالحادى عشر من سبتمبر 2001، فى أن تقنع هذه الإدارة بأن ثمة تطابقا بين حربهاالعالمية على الإرهاب وبين حرب إسرائيل على المقاومة الفلسطينية، وبالتالى تبنت هذهالإدارة من المواقف ما عقد الأمور كثيرا بالنسبة للمقاومة، ووصل إلى ذورة جديدة فىالانحياز إلى إسرائيل ودعمها. وهكذا، أصبحت الإدارة الأمريكية ترى أن السلام فىالشرق الأوسط مرتهن بيد حفنة من الإرهابيين (خطاب الرئيس الأمريكى جورج بوش فىيونيو 2002)، وبالتالى فإنه يبدأ بالقضاء عليهم (وليس بتغيير سياسة الاحتلالالإسرائيلى أو حتى تعديلها)، وأصبح الرئيس جورج بوش نفسه لا يرى أن عودة اللاجئينإلى وطنهم أمر عملى، وكذلك الحال بالنسبة لتفكيك الكتل الاستيطانية الكبرى فى الضفةالغربية (المؤتمر الصحفى مع رئيس الوزراء الإسرائيلى أرييل شارون فى أبريل 2004) كما أخذ يؤكد علينا، وبصفة خاصة فى سنتى 2007 و2008، دعمه لمبدأ يهودية الدولةالإسرائيلية بكل ما ينطوى عليه من تداعيات فادحة.
وعلى الصعيد الإقليمى،تراجع التأييد العربى للمقاومة الفلسطينية على نحو لافت. ويبدو معقولا أن مرد هذاالتراجع إلى عاملين، أحدهما ذاتى والآخر خارجي. أما العامل الذاتى، فهو انفضاض عددمن الدول العربية من حول المقاومة الفلسطينية عقب رهانها الخاسر على صدام حسين إباناحتلاله للكويت فى 1990 . وأما العامل الخارجى، فهو تأثر الحسابات العربية بالموقفالأمريكى من المقاومة السابق الإشارة إليه.
وهكذا، تحول النظام العربىالرسمى من المبادرة بتأسيس المقاومة الفلسطينية وتبنيها (كما فى قمتى القاهرةوالإسكندرية فى 1964) وحمايتها من مخاطر الصدام مع الدول التى تعمل على أراضيها (كما فى قمة القاهرة 1970) إلى الاكتفاء بدعمها لفظيا واقتصاديا (كما فى القمم التىعقدت عقب انتفاضة الحجارة 1987 وانتفاضة الأقصى 2000) إلى المشاركة فى حصارها بلولومها، كما هو الحال منذ عام 2006 بعد فوز حماس بالانتخابات التشريعية فى مطلع تلكالسنة، وإبان العدوان الإسرائيلى على لبنان فى صيف 6002. ويلاحظ أن الدعم الإيرانىللمقاومة اللبنانية والفلسطينية قد تبلور فى إطار هذا الفراغ الذى نجم عن تخلىالنظام العربى عن المقاومة.
وعلى الصعيد الفلسطينى، وقعت المقاومة فى الشركالذى نصبته لها اتفاقيات أوسلو 1993 بقبولها - أى المقاومة- فكرة تأسيس سلطة فى ظلالاحتلال. وعن طريق هذا القبول، تم تحييد أهم فصائل المقاومة الفلسطينية فى حينه،وهى حركة فتح التى تحولت من قوة مقاومة ضد إسرائيل إلى شرطة محلية تقف بينها وبينالشعب الفلسطينى، ناهيك عن آثار انغماسها فى 'الحكم' ومغانمه. وفى البدء، نأت 'حماس'- أهم فصيل مقاوم بعد فتح- بنفسها عن المشاركة فى لعبة أوسلو، غير أنها غيرتتوجهها الاستراتيجى، عندما قررت خوض الانتخابات التشريعية فى مطلع 2006 . وبفوزحماس بهذه الانتخابات، انضمت إلى شقيقتها فتح فى ابتلاع طعم السلطة الذى يتناقض معمنطق حركات التحرر الوطنى القائم على الكر والفر، فأصبح لحماس مقار رسمية يمكنتدميرها بصواريخ إسرائيلية وقيادات علنية يمكن اغتيالها. وهكذا، تراجع الأداءالمقاوم لحماس.
وزادت الأمور سوءا بالحصار الذى فرض على حماس من قبل فتحبقيادة رئيس السلطة الوطنية المنتمى إليها، وهو الأمر الذى أفضى إلى الصدام المسلحالكامل بين الحركتين فى يونيو 2007 ، والذى وصل بالمقاومة الفلسطينية إلى أخطرمراحلها بانشغال فصيليها الرئيسيين بترسيخ وجود كل منهما على الأرض التى يقف عليهافى مواجهة شقيقه، مما يمكن تصور تأثيره الفادح على 'فعل المقاومة' وإمكانات التسويةمعا. فالمقاومة تخسر، بداهة، ولو جزءا من إمكاناتها بسبب هذا الصدام، وعمليةالتسوية مستحيلة فى ظل وجود رأس للسلطة الفلسطينية لا يسيطر على كافة أراضى ما يسمىبالحكم الذاتى الفلسطيني.
وعلى الصعيد الفكرى، تواجه المقاومة بأنصار 'ثقافةالخنوع' الذين لا يفتأون يؤكدون أن طريقها مسدود، وأن جريمتها فى حق شعبها لاتغتفر، أو أنها بأعمالها غير الناضجة (كإطلاق الصواريخ على سبيل المثال) لا تتسببإلا فى مزيد من العنف الذى تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. وهذا المنطق مردود،أولا لأن النهج البديل (أىالتسوية) عقيم، وسيبقى كذلك دون ممارسة فعل مقاوم حقيقي. وثانيا، لأن تاريخ المشروع الصهيونى على أرض فلسطين - كأى مشروع استعماري- يشير إلىأن العنف المفرط سمة من سمات الاستعمار، بغض النظر عن أعمال المقاومة المضادة له. وهل يمكن - على سبيل المثال- أن نقارن العنف الإسرائيلى الحالى الذى يرده أنصارثقافة الخنوع إلى إطلاق الصواريخ الفلسطينية بالعنف الذى مورس ضد الشعب الفلسطينىلحظة نشأة دولة إسرائيل وعقبها ؟
ختام :
هكذا، تبدومعضلة المقاومة/التسوية فى الوضع العربى فى سياق الصراع مع إسرائيل. فالتسويةمستحيلة، لأن ثمة خللا بنيويا فى ميزان القوى العربى - الإسرائيلى يجعل دولةالاحتلال فى غير عجلة من أمرها لإنجاز تسوية، والمقاومة تواجه صعوبات هائلة بسببالمتغيرات التى أشير إليها فى السابق. ولكى يصل العرب والفلسطينيون إلى تسويةمتوازنة، فإن ثمة جهدا خارقا يتعين عليهم بذله، يبدأ بإعادة الوحدة الوطنيةالفلسطينية، والتخلص من أوهام أوسلو (السلطة الوطنية فى ظل الاحتلال)، والتفرغ بدلامن ذلك لمهمة إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية فى ظل المتغيرات الجديدة. فليسمعقولا أن تكون المنظمة- وفقا لقرار القمة العربية فى الرباط فى 1974 -هى الممثلالشرعى والوحيد للشعب الفلسطينى، دون أن يكون فيها تمثيل لحماس. فإذا نجحالفلسطينيون والعرب فى مهمة إعادة البناء هذه، أصبح بمقدورهم أن يديروا حوارا حولالاستراتيجية المثلى للنضال مع إسرائيل، والتى يجب أن تتبنى رؤية واضحة ومتماسكةلإدارة الصراع، وتحدد أدوات النضال لتحقيق هذه الرؤية، بدءا بالعمل الدبلوماسىوالإعلامى، ومرورا بالمقاطعة الاقتصادية والعصيان المدنى، وانتهاء بالنضال المسلح. وعلى الظهير العربى للمقاومة أن يدرك أن نكوصه عن دعم هذه المهام المطلوبة لن يكونله من نتيجة سوى زيادة الاختراق الإيرانى والأمريكى للنظام العربى، ما دام يتوانىعن الوفاء بمهامه الأساسية.