المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لمحة موجزة عن تطور البحث في العلوم الاجتماعية



أبوالبراء
14-Sep-2008, 07:53 PM
لمحـة موجـــزة عـن تطـور البحـث
في العلـوم الاجتماعيـة


لا يهدف درس المناهج إلى عرض شامل للأطوار التي اجتازها البحث في العلوم الاجتماعية. بيد أن إلقاء نظرة موجزة على هذا التاريخ تتيح الوقوف على نقط هامة من الضروري التذكير بها لفهم تطور هذا البحث ودلالته.
يعتبر البحث في العلوم الاجتماعية، والسوسيولوجي منه بالخصوص، نشاطا حديثا نسبيا. فهو لم يظهر إلا في القرن XIXم، وبالضبط مع اتجاهين فكريين أساسيين هما:
- التيار الوضعي ممثلا في أوغيست كونت )1789 - 1857( وفي «فيزيائه الاجتماعية والديناميكية» التي تعتبر سوسيولوجيا مشيدة على نموذج المنهج العلمي الذي يتخذ من عدم الاهتمام بالـبواعث الفردية قاعدة له، والذي يرى أن العادات الجماعية كافية لتفسير مجموع سلوكاتنا، لكون هذه الأعراف شديدة الفعالية.
- التيار الماركسي الذي يُعد محاولة لإضفاء طابع الوضعية على السوسيولوجيا من خلال دراسة المجتمع انطلاقا من التناقضات بين قوى الإنتاج وعلاقاته، بين البنية التحتية والبنية الفوقية.
وينبغي الإشارة بالخصوص إلى أن البحث السوسيولوجي قد انحدر من زواج بين تقليدين أوروبيين:
- تقليد النظرية الاجتماعية الذي يرتد إلى أفلاطون.
- تقليد البحث الأمبريقي الذي يعود إلى القرن XVIIم.
ويمكن الإشارة، على سبيل التذكير، إلى عدد من الأعمال التي يمكن اعتبارها رائدة في البحث السوسيولوجي.
غير أن الكثير من هذه الأعمال - والاستثناءات قليلة جدا - هو عـبارة عن أعمال في النظرَية الاجتماعية وبحوث تنظيرية أكثر منها بحوث ميدانية. كما أنها أبحاث يختلط فيها عدد من الملاحظات التي غالبا ما تكون ثمرة تحليلات ثانوية أو نتائج بحوث وثائقية.
ومن هذه الدراسات يمكن ذكر أعمال مونتسكيو حول السلطة السياسية، وأعمال بوسو Pousseux حول التفاوت الاجتماعي، وهي مزيج من الملاحظات أو التركيبات الوثائقية ضمن إطار تأويلي من الصعب أن نعزل فيه المحتوى الموضوعي عن نظام القيم الذي يستلهمه المؤلفان.
والاستثناءات، أي الأعمال الأمبريقية القائمة على ملاحظات ميدانية واستعمال حسابات إحصائية، هي من القلة بحيث يمكن ذكر أهمها:
- فرانسـوا كيسناي François Quesnay (1694-1774):
يعتبر ف. كيسناي مؤسس المدرسة التي تؤمن بسلطة العلوم الفيزيائية (physiocrate)، وهو اقتصادي كان يشتغل مع فرانسوا الأول. قدم جدولا للثروات الفرنسية يمكن اعتباره بمثابة محاولة بحث اقتصادي اجتماعي. لكن يجب ملاحظة أن سياق العصر قد حرَّفَ نتائج ذلك العمل. فلإرضاء الملك، أعلن فرانسوا كيسناي أن كل شيء على ما يرام، وأن فرنسا بلد غني، وأن هذا الغنى مصدره الفلاحة، وأن الفلاحين مسرورين لكونهم يشكلون أساس تقدم فرنسا.
لا يتعلق الأمر في عمل كيسناي ببحث بمعنى الكلمة. ذلك أنه لم يكن بإمكانه التشكيك في ما هو قائم أو وضعه موضع تساؤل. لا زال الوضع الفكري حبيس نسق لا يتيح إجراء بحث ميداني في الواقع. ذلك أن النظام الاجتماعي يرتكز على تفاوت اجتماعي وتراتبية اجتماعية يرتكزان هما الآخران على تصور إلهي للكون حيث العلاقات الاجتماعية فيه غير قابلة للتغيير.
يجب انتظار العالمين الإنجليزيين آدم سميث Adam Smith (1723-1790) وتوماس مالتوس (1766-1834)، لنرى دراسات أكثر موضوعية. سميث بأبحاثه حول «ثروات الأمم»، ومالتوس بعمله المسمى «بحث في مبدأ السكان».
- لقد اشتغل مَالتوس في الديموغرافيا، وطبق على دراسة السكان منهجا إحصائيا صارما، انطلاقا من دراسة مجموعات في الميدان (لأول مرة سيتغلب الواقع على الخيال)، فتوصل إلى صياغة فرضية تأخذ بعين الاعتبار ملاحظات منهجية صارمة.
من هنا، سيستمد نظريته التي لازالت تنطبق على الدول السائرة في طريق النمو، ومفادها أن عدد السكان يتزايد أكثر من تطور الموارد (مما يترتب عنه المجاعة والتخلف، الخ.)
بموازاة مع ذلك، ظهرت في ألمانيا، خلال القرن XVIIIم، حركةٌ فكرية أخذت تشكك في ارتكاز المجتمعات على النظام السَّمَاوي (الملك صاحب الحق الإلهي، الخ.). وبعد ذلك ستظهر مع الثورة الفرنسية والموسوعيين وجان جاك روسو، حركة من الأفكار المتحررة الجديدة، وسيتطور الوعي بما سيتيح للعلوم الاجتماعية أن تتقدم.
ولأول مرة ستجري محاولة دراسة «الظواهر الاجتماعية باعتبارها أشياء» (دوركايم)، ستوضع موضع تساؤل وستدرَسُ كما تدرُسُ العلوم المحضة النباتات، وذلك انطلاقا من فرضيات لا من يقينيات قبلية. مع دوركايم سيشهد البحث السوسيولوجي تطورا ملحوظا، وستدخل الذهنيات طـَوْر التحول.
غير أنه، وعلى غرار الفلسفة التي ظلت لحقبة طويلة مطبوعة باللاهوت والنزعة المدرسية المرتدة إلى التقليد الأرسطي، سيظل علم الاجتماع ممزوجا بالفلسفة (وهو أمر لازال بالإمكان لمسه اليوم في أعمال باحثين أمثال ريمون آرون Raymond Aron وألان تورين Alain Touraine، كي نقتصر على ذكر البعض). وقليلون هم أولئك الذين سيتعاطون لبحوث تجريبية. ولذلك، كان تاريخ الفكر - الفرنسي على الأقل - يعج بالمنظرين الاجتماعيين الذين لا يوجد بينهم إلا عدد قليل من التجريبيين.
إلا أن علم الاجتماع سيستفيد من اللقاء مع العلوم المحضة، وسيحلل مفكرون أمثال أوغيست كونت المجتمعَ على شكل فيزياء اجتماعية، وبيولوجيا اجتماعية، وفيزيولوجيا اجتماعية، مستعيرين من هذه العلوم عددا من المناهج والتقنيات. وعلى النحو نفسه، ستستعير السوسيولوجيا المعاصرة من اللسانيات عددا من المفاهيم والمناهج القابلة للنقل، كالسانكرونيا، والدياكرونيا، والبنية، الخ.
وما ينبغي الاحتفاظ به هو ارتباط تطور السوسيولوجيا والبحث التجريبي - عن طريق التجاور - بتطور العلوم المحضة.
ولنشر إلى أن دراسات كتلك التي قام بها فيليرم Villerme تحت عنوان: «L’état physique des ouvriers des manifactures»، وتلك التي قام بها أنجلز Engels حول «وضعية الطبقات الشغيلة في أنجلترا» قد صارتا نموذجين متميزين للبحث الميداني.
غير أنه يجب انتظار إميل دوركايم Emile Durkheim (1858-1917) لكي نصل إلى سوسيولوجيا علمية حقيقية وإلى البحث الميداني الذي سيصير نموذجا لكل الأبحاث التي تلته. ونعني بذلك كتابه «الانتحــار» المنشور سنة 1895.
مع هذا العمل نكون إزاء مسعى حقيقي في البحث الميداني: لأول مرة سيتم الانطلاق من ملاحظة الظواهر الاجتماعية، ومعاملة الوقائع الاجتماعية باعتبارها ظواهر، وبعد تفسير هذه الملاحظات سيتم صياغـة نظرية في السلوك المبحـوث.
والواقع أن دوركايم لم ينزل إلى الميدان كي يلاحظ الناس وهم ينتحرون. لقد انطلق مما سيسمى بـ «إحصائيات» حول الانتحار تم إجراؤها في مختلف دول أوروبا.
وهذه المعطيات ستتيح له عقد مقارنات، وعزل العوامل والمتغيرات التي تؤثر في ظاهرة الانتحار، ليلاحظ - مثلا - أن نسبة الانتحار (في كل 1000 ساكن) هي أقوى في المدن منها في البوادي. وها هو تفسير هام - مشكل هام - لماذا تأخذ نسبة الانتحار حجما قويا جدا في المدن بالمقارنة مع البوادي؟ يصوغ دوركايم فرضية، أي جوابا ممكنا - مبكرا - عن المشكل المطروح، وهو: إن المجتمع الصناعي يفكك الحياة الاجتماعية، يقود إلى تفكك البنية الاجتماعية. فالفرد الذي ينتقل إلى المدينة لا يجد فيها الدعم الاجتماعي الذي كان يلقاه في قريته، حيث كانت العائلة والكنيسة والقبيلة، الخ. تشكل نظاما راسخا، لكن متماسكا. هناك ظاهرة شبه فوضوية (فقدان التماسك الداخلي، فقدان النظام المرجعي للذوات المقتَلَعَة). والكثير من الدراسات العصرية لا تعدو مجرد تنويعات على دراسة دوركايم عندما تُظهر الفرد وحيدا وسط الحشود، وتبين هذا الانعزال الاجتماعي المتزايد والمرتبط بالتصنيع والتحضر. من هذه الأبحاث دراسة «الحشود الوحيدة» La foule solitaire لرييزمان Riesman.
أجرى دوركايم، إذن، ملاحظات وإحصائيات، ثم حاول عزل عوامل ومتغيرات يبدو أنها محدِّدَة وحاسمة. وانطلاقا من ذلك سيصوغ فرضية، بل ونظرية مفادها أن المجتمع الصناعي ينزع التماسك عن المجتمع التقليدي ويولد لدى الأفراد ظواهر اجتماعية شبه فوضوية ترفع نسب عدم التكيف، والانحراف، والانتحار، الخ. كما يعزل عوامل أخرى، هي: الانتماء الديني (عدد الانتحارات بين البروتستانيين يفوق نظيره بين الكاثوليكيين، الخ.)، ومستوى التكوين (عدد الانتحارات بين ذوي المستوى الثقافي المرتفع يفوق نظيره لدى غيرهم).
على النحو السابق يشكل عمل دوركايم حول الانتحار أول بحث ميداني سوسيولوجي حقيقي نقف فيه على خطاطة المسعى التجريبي كما وصفه كلود برنارد C. Bernard، وهي:
- إجراء ملاحظـات - معاينـات.
- صياغة فرضيـات - التحقق منها عن طريق معطيات.
- استخلاص تنظيــر.
ثم الدخول إلى البحث الميداني، أي البحث التطبيقي. إنه استهلال انطلاقة علمية حقيقية تربط بين المحسوس والمعقول (أو المجرد)، بين الظواهر والنظرية، وبذلك صار طريق البحث مفتوحا.
ومن المفيد عرض المسعى الذي يجب أن يراعيه كل بحث جامعي، هذا الأخير الذي وإن لم يكن مطالبا بصياغة نظريات وتعديل قوانين، فإنه مطالب على الأقل باحترام - وإن في مستوى بسيط - المواصفات العامة التي يجب أن تتوفر في كل بحث علمي، والاتصاف بدرجة من الدقة والصرامة.
يتعلق الأمر في هذا المستوى بمحاولة إجراء (وتبعا للموضوع المختار والميدان المختار) تركيب لمختلف المساعي والتقنيات التي تستعار في الغالب من علوم ملحقة. هكذا يمكن المزج في تحليل ظاهرة تربوية ما، أو مؤسسة تعليمية ما، بين المساعي التالية:
- مسعى نسقي، مؤسساتي (مستعار من سوسيولوجيا التنظيمات) يقوم على نظرية للتواصل تغينها هي الأخرى نظرية للتوقع.
- مسعى مستعار من التحليل النفسي المؤسساتي (دراسة اللاشعور الجمعي).
- مسعى سيكوسوسيولوجي (دراسة الأدوار، الأوضاع الاعتبارية، التواصلات، الخ.)
- مسعى مستعار من التحليل الديمغرافي لدراسة نوعية الفئات المتمدرسة.
- مسعى سيكولوجي لتحليل دوافع جمهور المتمدرسين وأفقهم الزمني.
- مسعى اقتصادي لدراسة مردودية المؤسسة.
وللتذكير، فالباحث لا يمكنه القيام بكل شيء. غير أنه يتعين عليه تنظيم كافة الخطوات، واختيار المساعي تبعا لموضوع بحثه.


ملحـــــــــق:
مـجالات البحـث في العلـوم التربويـة


من الطبيعي أن تعتمد المشكلة أو السؤال الذي يختاره باحث تربوي معين على اهتمامات الباحث وخلفيته والمشكلة الخاصة التي يواجهها. ومع ذلك يمكن تصنيف الأسئلة في البحوث التربوية إلى صنفيـن أساسيين:
1 - أسئلة نظـريـة وهـي تتعلق بالمبادئ الأساسية؛
2 - أسئلة عملية وهي تصمم لحل مشاكل فورية تتعلق بالمواقف اليومية.
أولا: الأسئلة النظريـة:
الأسئلة ذات الطبيعة النظرية تستخدم الأساليب الآتية:
ما هي؟ كيف حدثت؟ أو لماذا حدثت؟
مثل: «ما هو الذكاء؟» أو «ما هو الإبداع؟».
ومن أسئلة «كيف» النموذجية:
«كيف يتعلم الأطفال؟» أو «كيف تنمو الشخصية؟»
وقد يطرح السؤال بـ «لماذا» أسئلة مثل:
«لماذا ينسى الإنسان؟»
و«لماذا يكون بعض الأطفال لديهم قدرة تحصيلية أكثر من غيرهم؟».
وتهدف الأسئلة ذات الطبيعة النظرية إلى اكتشاف نظريات جديدة أو التحقق من نظرية موجودة فعلا.
وفي هذه الحال، يحاول الباحثون اكتشاف تعميمات عن السلوك بهدف توضيح العلاقات الموجودة بين المتغيرات، فقد يعتقدون أن متغيرات معينة يوجد بينها ترابط ولذلك يقومون ببحثهم لوصف طبيعة هذه العلاقات ومن النواتج قد يكونون نظرية عن الظاهرة. وقد كونت نظريات التعلم بهذه الطريقة.
على أنه من غير المناسب للباحث التربوي المبتدئ أن يحاول تكوين نظرية جديدة، ومن الأفضل له وذلك أكثر واقعية أن يحاول استنتاج فروض من نظريات موجودة فعلا في مجالات التعلم أو الشخصية أو الدوافع، ويختبر هذه الفروض. فإذا كانت الفروض نتائج منطقية للنظرية وأوجدت الاختبارات العملية دلائل تعضد الفروض، فإن هذه الدلائل تهيئ تعضيدا للنظرية نفسها.
الأسئلـة العمليـة:
كثير من الأسئلة في البحوث التربوية تكون ذات طبيعة عملية مباشرة تهدف إلى حل مشكلات محدَّدة قد تواجه التربويين في أثناء نشاطهم اليومي. إنها أسئلة مناسبة للبحوث التربوية وثيقة الصلة بها، لأنها تعالج مشكلات حقيقية في مستوى الممارسة. ومن أمثلة هذه الأسئلة ما يأتي:
«ما مدى فعالية طريقة الاكتشاف الموجه في تعليم الحساب لتلاميذ الصف الثالث الابتدائي؟»
و«ما هو أثر استخدام الطريقة الكلية لتعليم اللغة العربية في الصف الأول الابتدائي؟»
و«أيهما أكثر فعالية في تعليم المواد الاجتماعية لتلميذ الصف الثالث الإعدادي: طريقة المحاضرة أو طريقة المناقشة؟»
إن إجابة مثل هذه الأسئلة قد تكون ذات قيمة كبيرة في مساعدة المدرِّس على اتخاذ قرارات عملية.
إن الأسئلة العملية يمكن دراستها وفحصها بالطريقة العلمية تماما كالأسئلة النظرية».
د. إحسان مصطفى شعراوي ود. فتحي علي يونس، مقدمة في البحث التربوي، القاهرة، دار الثقافة للطباعة والنشر، 1984، صص. 15-18.

نزاري
13-Mar-2009, 04:27 AM
احسنت مشكور